-->

سبيبة . . . مدينة المياه التي يموت أهلها عطشا !



يمثل انتشار داء إلتهاب الكبد الفيروسي مشكلة صحة أساسية بجهة سبيبة من ولاية القصرين.
و اذ تؤكد منظمة الصحة العالمية أن تلوث مصادر المياه و اختلاطها بمسالك الصرف الصحي تبقى السبب الرئيسي لانتشار هذا الوباء فإن الوضع البيئي في سبيبة يمثل النموذج الصارخ للأسباب التي حددتها المنظمة العالمية إذ مازلت تعاني الجهة التي يسكنها قرابة خمسين ألف ساكن مشاكل تلوث الماء المخصص للشرب.
جوانب عدة تعكس قصة فشل برامج حكومية أطلقت عام 2008 لتزويد المعتمدية بمياه صالحة للشرب من خلال إنشاء محطة للصرف الصحي بين معتمدتي سبيبة وجدليان المتجاورتين مقررة منذ عام 2011 وبتمويل من الوكالة الفرنسية للتنمية بقيمة 2700 مليون دينار  تونسي/ 1588 مليون دولار إذ أن غالبية المنازل غير مرتبطة بشبكة المياه الرسمية.
وفي بحث خاص أجراه الدكتور لطفي المرايحي المختص في أمراض التنفس و الرئتين في العام 2012 فإن نسبة انتشار مرض البوصفير بين سكان سبيبة تصل إلى 40 % في حين لا يتجاوز المعدل الوطني نسبة 0.5 %.
فيما تشير الدراسة إلى أن أكثر الحالات انتشارا هو البوصفير من الدرجة ج، مع تأكيدها أن 90% من هذه الحالات قابلة للشفاء في حال تلقت العلاج المناسب.
المفارقة أن سكان مدينة سبيبة يعانون العطش ويجدون أنفسهم مجبرين للجوء لحفر الآبار بطريقة عشوائية أو لمصادر أخرى من المياه غير صالحة للشرب بالرغم من كون المدينة تتوسط وادي الحطب، أحد أهم الأودية في الوسط التونسي والذي يشكل أحد التفرعات الرئيسية لوادي زرود حيث يبلغ منسوب إرتفاع المياه ابان فترة الفيضانات نحو 2400 سنتمتر في الثانية.
المياه غير الصالحة التي جلبت الأمراض ليست فقط حكرا على السكان ممن يخالف كراس شروط الإدارة الجهوية لحفظ الصحة وحماية المحيط والتي يمنع فصلها الثالث استعمال مياه الآبار لغاية الشرب أو في المطابخ أو في مجال صناعة المواد الغذائية. إذ يشترط إستعمال مياه الآبار على حمامات الاغتسال وأحواض السباحة والري مع أخذ الاحتياطات الواردة في فصول هذا الكراس”.
وفي مخالفة لضوابط الري الفلاحي، مثلما تم ضبطها بمقتضى مجلة المياه الصادرة سنة 1975 والتي تم تعديلها في ثلاث مناسبات سنوات 1987-1988 و2001 والتي تشترط ليكون الماء صالحا للاستهلاك أن لا يشتمل على كميات مضرة ولا على مواد كيميائية ولا على جراثيم مضرة بالصحة كما يجب علاوة على ذلك أن يكون خاليا من علامات التلوث وان تكون له خصائص مقبولة من حيث تكوينه العضوي وان يستجيب علاوة على ذلك على الشروط والأسس المضبوطة بمقتضى أمر كما تقع مراقبة نوعية المياه بواسطة التحاليل الدورية التي تجرى بالمخابر المصادق عليها من طرف وزارة الصحة العمومية تشرب من هذه المياه قطعان الماشية وتسقي بها مختلف أنواع الشجار المثمرة بما فيها أصناف التفاح والخوخ المشهورة.
فشل تنموي
في العام 2008، قامت الدولة بتخصيص نحو 5.027 مليون دينار/2.645 مليون دولار لمعتمدية سبيبه من أصل 46.270 مليون دينار/ 23 مليون دولار رصدت لمحافظة القصرين لمعالجة مياه الشرب.
ولكن حتى تاريخ نشر هذا التحقيق الاستقصائي الذي إستغرق إعداده أربع شهور لم يتم إطلاق أي من المشاريع المبرمجة بحسب وثائق زودتنا بها معتمدية سبيبة لعدة أسباب من ضمنها عدم وجود حفارات للآبار ولغياب التخطيط الإداري الذي يسبق إنجاز كل مشروع. في الاثناء تستمر الجهات الرسمية في تبادل اللوم.

وادي الحطب وادي الموت!
عبر سنين من الاهمال الرسمي تحوّل وادي الحطب إلى مصب للتخلص من فضلات عصر الزيتون (المرجين) والصرف الصحي من قبل السكان وبقايا المواد المصنعة مثل قوارير بلاستيكية وعلب حديدية يلقيها أصحاب متاجر صغيرة. وبذلك تتفاقم الأوضاع البيئية لوادي سبيبة حتى أصبح استهلاك مياهه ممنوعا للشرب ولرعاية المواشي حسب تعليمات وزارة الفلاحة وإدارة حفظ الصحة.تحاليل تثبت عدم صلاحية المياه لـ"الاستهلاك البشري" : سبيبة مدينة تموت ظمأ على ضفاف الوادي!
يقول الهادي القليشي، التقني السامي في الصحة العمومية: “اعرف أن المائدة المائية ملوثة بسبب هذا الوادي الذي يقع على جانب المنطقة السقوية العمومية ولكن ليس لنا خيار آخر غير سقاية مياهه لحيواناتنا ونباتاتنا”.
فلاحو سبيبه ممن يعملون في المنطقة السقوية التي تقع على جانبي الوادي أشجار الخوخ والتفاح أكدوا لمعد التحقيق أنهم يستعملون مياه الوادي الملوثة في كثير من الأحيان لري أشجارهم في غياب ماء صالح للري والرقابة. وزارة الفلاحة تمنع المزارعين من سقاية مزروعاتهم بمياه الصرف الصحي بحسب الأمر عدد 1047 لسنة 89 المؤرخ في 28 جويلية/ تموز 1989 والتي تصل عقوبتها إلى السجن.
إستعمال مياه وادي الحطب الملوثة بحسب مسؤولين من وزارة الفلاحة سيكون له أثاره على صحة السكان وعلى التربة التي ستتحول على المدى البعيد إلى تربه غير صالحة إطلاقا للزراعة نتيجة استعمال هذه النوعية من المياه.
احد المسؤولين بالاتحاد الوطني للفلاحة والصيد البحري (منظمة مستقلة) يقول إن “مياه الصرف الصحي تحوي الجراثيم والمعادن الثقيلة والمركبات العضوية المسببة للإمراض وتشكل خطرا صحيا على المزارعين ومن ثم على مستهلكي المحاصيل المروية”.

الآبار والجبل أو الموت عطشا!
غياب تنقية مياه وادي الحطب دفع بسكان مدينة سبيبة إلى البحث عن مصادر صالحة لمياه شربهم على صيغة حلول مؤقتة مثل حفر الآبار كما حصل مع يوسف الرمضاني والد المرحوم الطفل عصام الذي اشترى حفارة دون الإستعانه بخبراء حفر. لكن هذه الآبار جلبت الأمراض لسكان سبيبه.
حال الرمضاني يشبه حال سكان سبيبه ممن يبحثون عن المياه في الآبار العميقة والعيون المهملة في الجبال حيث لا رقابة صحية على مصادر المياه، الأمر الذي أدى إلى ظهور حالات وفاة نتيجة مرض (البوصفير) وأمراض الكلى كما حصل مع عائلته.
يقول الوالد المكلوم في موت إبنه وهو يرفع ناظريه إلى السماء كمن يطلب العون وينتظرا المدد: “لمن تريدني أن ارفع شكواي، ليس لي إلا الله لأشتكيه، لا يوجد من يستمع إليك”.
منزل الرمضاني، لا يبعد سوى 150 متر من وادي الحطب أو”وادي الموت” كما يسميه الأهالي.
هو وأبنائه الأربع كغيره من سكان الدوار مصابون بأمراض كلى ناتجة عن شرب المياه الملوثة بحسب ما أثبته تحليلات قام بها معد التحقيق.
بكى الأب حين استذكر قصة موت ابنه عصام التلميذ في مدرسة عقبة بن نافع بسبيبة والذي كان يمشى يوميا 3.5 كم ليصل إلى المدرسة.
فجأه، ودون سابق إنذار مرض عصام. اصفر وجهه وكل بدنه وأصبح يتقيأ اصفرارا، نقلناه للمستشفى المحلي بسبيبة حيث قضى هناك ليلة واحدة وطلبوا منّا بعد ذلك إعادته إلى المنزل دون توضيح أو بيان لحاله، وبعد يومين توفي عصام”.
بعد موته يوم 7 أفريل/ نيسان 2014 تكررت حالات الإصابة بالـ (بوصفير) فاحتج سكان المنطقة وطالبوا بحقهم في الماء الصالح للشراب دون استجابة حقيقية من قبل السلطات.
مشكلة المياه الصالحة للشراب تؤرق المواطنين، منهم من يفضل العطش وقطع عشرات الكيلومترات على أن يستهلك مياها من فروع وادي الحطب الملوثة. غير أن العديد من السكان لا يجدون حيلة إلا استهلاك المياه التي تقع بين أيديهم مهما كان مصدرها.
تقول السبعينية في جهة وادي السبيطات إنها تضطر يوميا لقطع أكثر من 5 كيلومترات لتملأ هذا ” البيدون”-(وعاء بلاستيكي) من الماء وأحيانا أعود لأملاه ثانية .وقال متساكن آخر هرع للقائنا: “نعم نعرف أن الماء ملوث، وأنا مصاب بمرض الكلى ولكن ماذا تريدني أن افعل؟”.
مصادر شرب الأهالي؟
مع استحالة تصفية المياه أو استغلال موارد الوادي الذي يشق مدينتهم يلجأ أهل سبيبه إلى ثلاث مصادر مياه للشرب.
أولها العيون المنتشرة في الجبال القريبة من المدينة التي أصبحت خيار العائلات الفقيرة. لكنها عيون (غير معالجة). بل أن ماءها متغيّر اللون؛ تشرب منها الحيوانات وتتروث فيها أيضا وفي ذات الوقت تملأ منها نسوة “الدوار” الماء لاستعماله للشرب ولتنظيف المنزل.
معد التحقيق أخذ عينة من “عين الحفارة” وهي أحدى العيون الجبلية وقام بتحليلها في مخبر التحاليل التابع للإدارة الجهوية لحفظ الصحة بقابس لتكشف النتائج أن الماء ملوث وغير صالح للاستهلاك البشري بسبب وجود عدد لا يحصى من بكتيريا indénombrables coliformes fécaux وهي نوع بكتيريا يشير لوجود تلوث برازي تحت عدد p30.
وبحسب معايير مياه الشرب في تونس فإن وجود أي نوع من هذه البكتيريا deS coliformes fécaux يصنفها ضمن المياه غير الصالحة للشرب — وهو ما تذهب إليه منظمة الصحة العالمية (OMS، 2000) وأيضا الوكالة الأمريكية لحماية المحيط (US EPA ، 2001).
وتسبب هذه البكتيريا حسب خبراء بيئة ومياه إصابة بأمراض من بينها الفيروس الكبدي والكوليرا وأمراض الكلى التي قد تتحول إلى مزمنة وتهدد الحياة.
الخيار الثاني هو الحفر العشوائي للآبار العميقة والسطحية وهو للقلة الميسورة من السكان. وبحسب عمدة سبيبه صالح البرهومي توجد 380 بئرا عميق و220 بئرا سطحية وغالبيتها أنشئت بطريقة عشوائية.
وزارة الفلاحة لا تراقب سوى أربعة آبار لأنها مصنفة تحت الرمز 63130 وهي آبار مملوكة لمواطنين. لا تراقب أي من الآبار الواقعة على جانب وادي سبيبة لأنها محفورة بطريقة عشوائية نتيجة الفوضى التي تلت ثورة 2011.

تحاليل تثبت عدم صلاحية المياه لـ"الاستهلاك البشري" : سبيبة مدينة تموت ظمأ على ضفاف الوادي!مصلحة حفظ الصحة والمحيط بالجهة تؤكد أنها تقوم بالمراقبة والتحليلات بناء على طلبات تقدم من أصحاب هذه الآبار لكن العديد يعزفون عن ذلك لتكلفة هذه التحليلات التي يتراوح ثمنها بين 24 دولار و248 دولار في بلد يبلغ متوسط دخل الفرد السنوي فيه 4350 دولار.
وتتقاطع هذه الآبار مع المائدة المائية الملوثة بمياه الصرف الصحي حيث تعجز وزارة الفلاحة عن مراقبة حفر الآبار العشوائية نظرا لتشتت ملكية الأراضي الفلاحية إضافة إلى ضعف جهاز المراقبة وحال التراخي الإداري حسب إفادة الحبيب المبروك الموظف في الإدارة الجهوية للفلاحة.
معد التحقيق قام بتحليل عينة من ماء البئر المحفورة يدويا وسط حقل يوسف الرمضاني والد عصام والتي تستعمل لمختلف الحاجيات (شرب، ري، استهلاك منزلي وحيواني) ودون أن تكون محمية أو مغطاة أو مراقبة أو تتم مداواتها. بينت نتائج الفحص أن هذه البئر أيضا غير قابلة للاستهلاك البشري نظرا لاحتوائها عددا غير محدود من بكتيريا الـ e coliformes fécaux 37°c واحتوائها كذلك على عدد يقارب 4.8 في 10 م2 بالنسبة لل de coliformes fécau44°c وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية التي يفترض أن لا تتجاوز 1 في المائة
وبحسب المختص في تحليل المياه في مصلحة حفظ الصحة والمحيط بقابس، توفيق بن فرج فإن نسب التلوث هذه تؤدي بمستخدمي هذه المياه للإصابة بأمراض البوصفير والكلى.
الخبير في مجال حفر الآبار محمد الدغسني أكد أن حفر الآبار يحتاج إلى تقنيات خاصة بعد فحص نوع الطبقات التي يتم حفرها وصلابتها و دراسة المائدة الجوفية للابتعاد عن كل ما يسبب تلوث المائدة المائية . وهناك أربع طرق للحفر:الحفر بالآلة السلكية (الدقاق) أوالحفر بالدوران الرحوي أو الحفر العكسي أو حفر الآبار بطريقة يدوية.
“ولكن لا يلجأ الينا الأهالي دائما لحفر آبار بحسب المعايير الصحية والقانونية ربما لارتفاع الأسعار”حسب قوله حيث تختلف تكلفة البئر حسب العمق ونوعية المنطقة الجيولوجية وطريقة الحفر. وتتراوح تكلفة حفر البئر آليا نحو 4 آلاف دولار بينما لا تتجاوز لألف دولار في حال الحفر اليدوي العشوائي.
المصدر الثالث لمياه الشرب وبخاصة لسكان الأماكن النائية هي صهاريج المياه ذات الملكيات الخاصة. يقوم أصحابها بتعبئة المياه من خزان موجود في منطقة السبيطات يتبع للشركة التونسية لإستغلال المياه ثم يبيعها لمن يطلبها بواقع 15دولار مقابل حمولة الصهريج التي تستقر عبر أنبوب متهالك في “ماجل”. والأخير عبارة عن حوض وسط منازل الأهالي تم إعدادها لتخزين مياه الشرب.
عدد الصهاريج الموجود قليل: 5 لكل 600 ساكن– ما يجعل غاية السكان هو التدافع من أجل تامين شراء صهريج من الماء مقابل 30 دينار بصرف النظر عن نوعية المياه.
هذه الصهاريج مملوكة للمواطنين يمتهنون بيع الماء وتوزيعه بعد الحصول عليه من خزانات الشركة التونسية (العمومية) لتوزيع المياه التي تشرف عليها الهندسة الريفية. و تشرف إدارة حفظ الصحة على مراقبة هذه الخزانات حيث سجلت 12 مخالفة عام 2013 بمعدل أكثر من مخالفتين لكل صهريج لكن تفتقد هذه العملية إلى المتابعة. كما أن أصحاب هذه الخزانات المتحركة يتجاهلون توصيات إدارة حفظ الصحة لأنها لا تكتسي في الغالب صبغة عقابية.
عاين معد التحقيق مخازن مياه في عدد من المنازل وفي المدرسة الابتدائية ومستوصف المنطقة.
“المياه المخزنة في هذه “المواجل” تبقى راكدة في أماكنها بين 15 يوم وثلاثة أشهر” بحسب الهادي القليشي وهو المسؤول في الإدارة الجهوية للصحة الذي زرناه في منزله وأردنا معاينة “الماجل” الذي يخزن فيه الماء.
التصقت الأعشاب الخضراء على جانبي “ماجل” المسؤول في وزارة الصحة، وعندما سألناه كيف يعقل لموظف بوزارة الصحة أن يشرب ماء ملوثا؟كهذا أجاب بسرعة:” إن لم نشرب نموت عطشا”.
ويقول مسؤول الشركة التونسية لتوزيع المياه إن الشركة غير مسؤولة إلا عن خزاناتها”.
لكن كلامه يناقض تماما مع ما جاء بتقرير حكومي صدر عن دائرة المحاسبات لسنة 2012 (صفحة 361) أكد أنه حتى هذه المسؤولية الذاتية لخزانات الشركة ومراقبتها تنقصها المتابعة حيث يقول التقرير””إن المواصفات التّونسية لا تأخذ صبغة إجبارية ولم يقع بيان حد أقصى لجملة من المواد السامة المضمنة بهذه المواصفة” الخاصة بمياه الشركة.تحاليل تثبت عدم صلاحية المياه لـ"الاستهلاك البشري" : سبيبة مدينة تموت ظمأ على ضفاف الوادي!
كما أثبتت الأعمال الرقابية لذات الدائرة “عدم شمولية التّحاليل التي تقوم بها “الشركة” على المياه المنتجة والموزّعة وعدم إحترام الوتيرة اللازمة لأخذ العينات وفقا للمواصفات التّونسية، إذ تبين أن رقابة “الشركة” على التّركيبة الفيزيوكيميائية للمياه لا تشمل كافّة العناصر المبينة بالمواصفة”.
واعترف مسؤول في الشركة التونسية لتوزيع واستغلال المياه أن نسبة الربط المباشر للوسط الريفي في سبيبة بالمياه الصالحة للشراب تبلغ 4.65 % مقارنة مع 84.03 % نسب الربط مع الهندسة الريفية.
وتعتمد الشركة في تزويد المواطنين بالماء على طريقتين: ربط مباشر أو عبر التنسيق مع مصالح الهندسة الريفية لتقريب الماء للمناطق غير المزودة وذلك بإقامة شركة لخزانات مياه تكون تحت إشراف مباشر لمصالح الهندسة الريفية التي تقوم بدورها ببيع المياه لأصحاب الصهاريج الذين يبيعونها بدورهم للسكان.
وقال إن الشركة تسعى إلى رفع نسبة تزويد المناطق بمياه الشرب في القريب العاجل مستشهدا بطلبي عروض تقدمت بهما الشركة خلال سنة 2014 الأول عدد 120 لسنة 2014 والثاني عدد 121 لسنة 2014.
ولكن تعود التعطيلات إلى طلب الجهات الرسمية حسب رأيه تعديلات تهم مسار الربط بالماء الصالح للشرب.
موت على الطريق
بالرغم من توافر المياه في سبيبه لكن الإهمال سيد الموقف، فعلى الرغم من الوعود بمشاريع مبرمجة إلا أنها لم ترى النور، بحسب ما أكد الناشط بالمجتمع المدني سليمان السياري.

يتابع: ” أمراض الكلى والبوصفير منتشرة. يشاركه هذا الرأي الهادي القليشي أحد التقنيين السامين في مجال الصحة حيث يقول بأن معتمدية سبيبة أصبحت “مقر اقامة للبوصفير بدرجاته الثلاثة”.
خلال سؤال عدد من أهالي المنطقة يقول بعضهم إنهم يلجؤون إلى غسل الكلى في المستشفى المحلي بسبيبة بينما يجري آخرون عمليات لإزالة الحصوات باستخدام الليزر.
استحالة الحصول على أرقام رسمية
توجه معد التحقيق إلى مستوصف عمادة ” كنترة” بالجهة. هناك رفض المسؤول مده بأي أرقام عن الإصابات في المنطقة جراء تلوث الماء.
وتم تقديم طلب مكتوب يملك معد التحقيق نسخة منه إلى المستشفى المحلي بسبيبة للحصول على عدد الحالات المصابة بالبوصفير أو أمراض الكلى و لكن لم يتم التأشير حتى على الطلب. ورفض كل المسؤولين حتى الحديث بل تم تهديد معد التحقيق بطلب الشرطة.
حتى أن قيس بن أحمد القائم على جمعية Sos-hépatites Tunisie وهي الجمعية الوحيدة العاملة في تونس والمهتمة بمقاومة مرض البوصفير/ تأسست في شهر سبتمبر/ أيلول 2012 يقول إنه يحاول عبثا الحصول على إحصائيات دقيقة عن هذا المرض.
بمقابل التعتيم حيال أعداد المصابين في سبيبة ومحافظة القصرين بشكل عام لم يتردد وزير الصحة الحالي سعيد العايدي في دق ناقوس الخطر حول انتشار مرض البوصفير في المناطق الداخلية دون أن يحددها. وطالب في تصريح صحفي في شهر مايو/أيار الماضي بإجراء مسح وطني لتعداد المصابين بمرض البوصفير. وأمر باتخاذ الإجراءات من أجل فرض التلاقيح ومجانية معالجة المرض وبخاصة لذوي الاحتياجات الخاصة.
عوارض مرض البوصفير ظهرت أيضا في مدارس سبيبة ومحافظة القصرين بشكل عام، بحسب مصادر صحية. تقول المصادر إن معاينة أجريت في أواسط سنة 2013 لمدارس الجهة كشفت وجود حوالي 300 حالة بوصفير لأطفال إضافة إلى إصابة 13 معلما. غير أن وزارة الصحة رفضت التعليق على هذه الأرقام رغم محاولاتنا المتكررة.
وفي غياب الأرقام الرسمية توجه معد التحقيق إلى شرف الدين البكاري الطبيب المختص في معالجة أمراض الرئة واحد من ستة أطباء في محافظة القصرين مختصين في معالجة البوصفير وخصوصا بدرجتيه الثانية والثالثة. أكد أن عدد المصابين ب hépatite c يتجاوز المئات لكنه لا يملك أي رقم محدد.
المرايحي أكد أن استهلاك المياه الملوثة أحد أسباب الإصابة بالصفار وإهمال علاجه قد يجعله يتطور من درجة إلى أخرى.
من جانبه، يؤكد الدكتور محمد الناصر موسى وهو طبيب كلى بالمستشفى الجهوي بالقصرين أن مرض الكلى “منتشر انتشارا كبير في المحافظة”وخصوصا في مدن تالة وسبيبة” نتيجة استهلاك ماء ملوث غني بالكالسيوم، والاوكسالات وحمض اليوريك، وإمتنع باقي الأطباء تقديم تحاليل تثبت عدم صلاحية المياه لـ"الاستهلاك البشري" : سبيبة مدينة تموت ظمأ على ضفاف الوادي!أي معلومات حول الموضوع.
سبيبة رمز أزمة المياه
“الحق في الماء مضمون” هو ما يؤكده الفصل 44 من دستور ” الثورة ” الجديد. غير أن حالة مدينة سبيبة والقرى المحيطة بها تعد نموذجا لهذا التباعد بين ما يسنه المشروع وما هو على أرض الواقع المعاش.
هل من حلول؟
المدير الجهوي لديوان التطهير بمحافظة القصرين ناجي البدري يقول إن مشروع محطة التطهير الخاص بسبيبه والقرى المجاورة يتعرض إلى مشاكل عقارية و”نحن بصدد بذل الجهد من أجل تجاوزها”.
تكمن الإشكالية العقارية في أن المشروع يفترض أن يقام على 5 هكتارات من الأراضي الاشتراكية والتي تحتاج إلى تخصيص من مجلسي التنمية بسبيبة وجدليان.
معتمدة سبيبه حذامي بن حراث تقول إن “المشكلة العقارية تم تجاوزها منذ شهر مايو/ أيار الماضي” ووقعت معاينتها من طرف مدير أملا
ك الدولة وأُعد تقرير اختبار أُحيل إلى المدير العام للاختبارات تحت عدد 506 بتاريخ 20/5/2015 لتحديد القيمة”.
يؤكد محافظ الولاية عاطف بوغطاس السابق النتائج التي وثقها هذا التحقيق الاستقصائي بالقول: “هناك كارثة بيئية حقيقية في وادي السبيطات في سبيبة”.
ويتابع” نحن مقتنعون بضرورة تركتحاليل تثبت عدم صلاحية المياه لـ"الاستهلاك البشري" : سبيبة مدينة تموت ظمأ على ضفاف الوادي!يز هذه المحطة في القريب العاجل في المنطقة وإن المشروع قيد الدراسة والاعتمادات جاهزة ولكن هناك إشكال عقاري سيجري معالجته قريبا”.
التضارب بين روايات المسؤولين حول إشكال ازمة مياه سبيبه الغارقة في تلوث مياه واديها جعل الشك يحوم بين السكان حول جدية السلطات في انقاذ المعتمدية والقرى المجاورة من هذه المشكلة.
في انتظار تحقق وعود المحافظ والمسؤولين، لا يزال سكان سبيبة يتساءلون عن الأسباب التي تجعل من قريتهم منطقة مهمشة منذ الاستقلال. المعاناة اليومية تستمر مع المياه والمرض وسط غياب برامج تنمية حقيقة لقرية سبيسة ومناطقها وسوء تصرّف في الأموال العامة.
المصادر:

شارك المقالة عبر:

اترك تعليقا: