-->

تونس: إبطال حكم قضائي صادر منذ 30 سنة ببطلان حكم الرجوع في التبني

جديد: إبطال حكم قضائي صادر منذ 29 عاما:
أصدرت محكمة الاستئناف بتونس بتاريخ 2 جويلية 2014 قرارا ببطلان حكم قضائي صدر خلال سنة 1985 سبق ان قضى بالرجوع في تبني طفلة...وقد تضمنت حيثيات الحكم مسائل قانونية يتوقع أن تثير جدلا قد يكون ضروريا حول نظرية بطلان الأحكام القضائية...ونتولى نشر هذا الحكم الوارد في 15 صفحة والمتضمن لمبادى قانونية وإجرائية وفصول عديدة من دستور 26 جانفي 2014

الجمهوريــة التونسيـــة 
محكمـة الاستئناف بتونـس
القضيـــة عـــــ60442ـــدد                 قــرار استئنافي – إبطال حكم -
تاريخ الحكـم: 2 جويلية 2014    

    الحمد لله،
   أصدرت الدائرة الثالثة بمحكمة الاستئناف بتونس المنتصبة للقضاء في مادة الأحوال الشخصية بجلستها العلنية المنعقدة يوم 2 جويلية 2014 برئاسة السيدة زكية الجويني وعضوية المستشارين السيدين صلاح الدين الخذيري وحمادي الرحماني الممضيين عقبه ومساعدة كاتب الجلسة السيد المنصف بن سعيد
الحكم الآتي بيانه بين:

 المستأنفة: ك.ب، محل مخابرتها بمكتب محاميها الأستاذ عبد المجيد بوسلامة الكائن بشارع 3 أوت سوسة.
 من جهة
 والمستأنف ضدهما:
 1/ س.ص، نائبتها الاستاذة جيهان بن سالم المحامية بسوسة. 
2/ النيابة العمومية في شخص ممثلها وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس، الكائن مقره بقصر العدالة شارع باب بنات تونس.
من جهة أخرى
الإجــراءات
   بعد الإطلاع على العريضة المرفوعة بتاريخ 3 و5 جويلية 2013 من طرف المدعية في الاصل المستأنفة الآن لدى المحكمة الابتدائية بتونس ضد المدعى عليهما المستأنف ضدهما الآن في طلب الحكم ببطلان حكم الرجوع في التبني عدد 82187 الصادر عن المحكمة الابتدائية بتونس في 23/7/1985 والرجوع في جميع آثاره.
   وبعد الإطلاع على الحكم الصادر فيها يوم 17/12/2013 تحت عدد 38210 والقاضي ابتدائيا بقبول الدعوى الاصلية شكلا وعدم سماعها أصلا ورفض الدعوى المعارضة شكلا وحمل المصاريف القانونية على المدعية.
   وبعد الإطلاع على مطلب الاستئناف المرسم بكتابة هذه المحكمة تحت عدد 97509 بتاريخ 20/12/2013 والمقدم من طرف الأستاذ عبد المجيد بوسلامة نيابة عن المستأنفة، وبموجب ذلك تم جلب ملف القضية من المحكمة الابتدائية ورسمت بمحكمة الاستئناف تحت عدد 60442 وعينت النظر فيها بجلسة يوم 19/2/2014 واستدعي محامي المستأنفة لتلك الجلسة طبق مقتضيات الفصل 135 م م م ت فقدم مستندات الاستئناف مع ما له من مؤيدات لكتابة المحكمة وفق أحكام الفصلين 134 و72 م م م ت.
   وبالجلسة التحضيرية حضر الأستاذ بوسلامة وقدم تقريرا وطلب التأخير وحضرت الاستاذة بن سالم وقدمت اعلام نيابة وطلبت التاخير للجواب، فأخرت القضية لجلسة يوم 23/4/2014 للجواب،
   وبعد أن استوفى الطرفان ما لديهما من ملحوظات عينت القضية بجلسة المرافعة ليوم 14/5/2014 وبها لم يحضر احد، وإثرها أخرت القضية للمفاوضة والتصريح بالحكم بجلسة اليوم المبين بالطالع وبها وبعد المفاوضة القانونية صرح علنا بما يلي:

المـسـتـنــدات

   حيث اتضح من الإطلاع على أوراق القضية أن المدعية في الأصل قد عرضت صلب دعواها بأنها ابنة كل من "ع.ح.ع" و "ف.ب.ح" وقد كانت تدعى "ح" وقد تم تبنيها من قبل المرحومة "ه.  ف" والمرحوم "أ.ب" واسند لها اسم "ك" وذلك بموجب حكم التبني عدد 782 الصادر بتاريخ 19/7/1968 وقد توفيت والدتها "ه.  ف" يوم 4/3/1985 وأقيمت حجة وفاتها بتاريخ 11/4/1985 بواسطة محكمة ناحية جمال والتي تضمنت ان المدعية ووالدها بالتبني هما ورثتها الشرعيين طبقا للفصل 22 م ح ع والفصل 85 م ا ش والفصل 15 من قانون عدد 17 لسنة 1958 الصادر بتاريخ 4/3/1958 المتعلق بالولاية العمومية والكفالة والتبني الذي نص على أن للمتبنى نفس الحقوق التي للابن الشرعي وعليه ما عليه من الواجبات وللمتبني ازاء المتبنى نفس الحقوق التي يقرها القانون للأبوين الشرعيين وعليه ما يفرضه القانون من الواجبات عليهما، وبعد وفاة والدة منوبته واتضح انها ترث ¾ الثروة المقدرة ب5 ملايين دينارا عمل والدها بالتبني "أ.ب" على رفع قضية في الرجوع في التبني لدى المحكمة الابتدائية بتونس بتاريخ 3/6/1985 عبر والديها الطبيعيين "ع.ح.ع" و "ف.ب.ح" دون علمهما وبالرغم من كون الاخيرة فاقدة للتمييز مطلقا بحكم جنونها وذلك بإنابة ابنة شقيقته المحامية "ف.م" عنهما، وقد سبق لوالد منوبته الطبيعي "ع.ح.ع" المدعي في قضية الرجوع في التبني سبق ان اكد صلب شهادته المتلقاة لدى عدلي الاشهاد سلوى بن عصمان والحسين البجاوي بتاريخ 13/5/1992 انه لم يطلب الرجوع في التبني ولم يقدم قضية في ذلك ولم يكلف من ينوب عنه لرفعها وان ما قام به المتبني "أ.ب" من ابطال لتبني هو حيلة لحرمان البنت "ك" ميراث والدتها المتوفاة هند بدليل استعمال حكم الرجوع في التبني فقط لإصلاح حجة وفاة والدة منوبته خالية من كونها وارثة ليقع ادراجها بإدارة الملكية العقارية، مضيفا بأن المحكمة قضت لصالح الدعوى وبالرجوع في التبني بمقتضى حكمها عدد 82187 بجلستها المنعقدة خلال العطلة القضائية في 23/7/1985 وبعد شهر فقط من نشر القضية ودون التحرير على الأطراف والبنت، وكل ذلك يجعل حكم الرجوع في التبني مختلا قانونا خصوصا وان الفصل 13 من قانون التبني يعطي لحكم التبني صبغة نهائية بما يحول دون الطعن فيه، مضيفا بان منوبته تعيش وضعية مضطربة فهي من جهة تحمل لقب والديها بالتبني ومن جهة اخرى لا يمكنها الحصول على ميراثها من والدتها بالتبني، مستندا إلى أحكام الفصل 484 م ا ع ينص على انه "يجوز نقض الحكم الذي لا رجوع فيه اذا ثبت ان الحكم بني على غلط حسي كان السبب الاصلي او الوحيد في صدوره، لطلب الحكم ببطلان حكم الرجوع في التبني عدد 82187 الصادر عن المحكمة الابتدائية بتونس في 23/7/1985 والرجوع في جميع آثاره واحتياطيا الاذن بإجراء تحريرات مكتبية لسماع منوبته وتلقي ما لديها من مؤيدات شفوية وتغريم المطلوبة الاولى لفائدتها ب1000د لقاء اتعاب التقاضي وإشراف المحاماة.
   وحيث بتت محكمة البداية في الدعوى المشار إليها وأصدرت الحكم السالف تضمين نصه.
   وحيث استأنفت المدعية الحكم الابتدائي بواسطة نائبها الأستاذ عبد المجيد بوسلامة الذي لاحظ صلب مستندات استئنافه بأن الحكم الابتدائي طاله عيب جوهري اصاب كيانه وأركان انعقاده ذلك ان حكم التبني بمثابة العقد الذي لا يمكن الرجوع فيه إلا برضاء كامل اطرافه وهو ما لم يتوفر في قضية الحال باعتبار ان والدة منوبته بالتبني "ه.  ف" توفيت قبل القيام بدعوى الرجوع في التبني وان احد اطراف قضية الرجوع في التبني - وهي الام الطبيعية لمنوبته - كانت فاقدة للتمييز زمن نشر القضية تبعا لجنونها وإقامتها بمستشفى الامراض العقلية بالرازي، وقد استعمل والد منوبته بالتبني التدليس لاستصدار الحكم من خلال القيام في حق والدي المتبنى وتكليف محام للقيام بدعوى الرجوع في التبني دون علمهما او رضائهما وفي غياب اي مصلحة للأب الطبيعي في ذلك باعتباره كان عائلا لثلاثة ابناء يعانون من امراض عقلية اضافة الى زوجته، مؤكدا بأن تلك الممارسات هي الآن موضوع تتبع جزائي وبحث بواسطة فرقة الشرطة العدلية بالمرسى، وكل ذلك يجعل حكم الرجوع في التبني فاقدا لمقوماته وغير منتج لاثاره باعتباره معدوما، مضيفا بان حكم الرجوع في التبني يمثل اعتداء على حق منوبته في الهوية الذي لا يسقط يمرور الزمن وهو يعد انتهاكا جسيما على حق طفل صادر عن افراد تصرفوا تحت حماية الدولة طبق ما اقتضاه الفصل 8 من قانون العدالة الانتقالية، معتبرا ان محكمة البداية برفضها التحرير على الاطراف وسماع الشهود في القضية رغم تمسك منوبته بذلك تكون قد هضمت حقوق الدفاع، طالبا على اساس ذلك نقص الحكم الابتدائي والقضاء من جديد ببطلان حكم الرجوع في التبني عدد 82187 الصادر عن المحكمة الابتدائية بتونس في 23/7/1985 والرجوع في جميع آثاره وتغريم المستأنف ضدها الاولى لفائدة منوبته ب 300د لقاء أتعاب المحاماة. 
   وحيث اجابت نائبة المستأنف ضدها الاولى الاستاذة جيهان بن سالم صلب تقريرها المؤرخ في 21/4/2014 بأنها تتمسك بملحوظاتها المقدمة خلال الطور الاول مضيفة بان المستندات لم تتضمن مطاعن جدية توهن الحكم الابتدائي وان الفصل 257 م م م ت اقتضى انه يبطل العمل بالحكم بمضي 20 سنة من تاريخ صدوره وطالما مضى على حكم الرجوع في التبني 29 سنة فانه يصير منعدما ويبطل قانونا تجاه الكافة وهو ما يجعل دعوى الحال غير ذات موضوع، معتبرة ان حكم البداية كان في طريقه طالبة اقراره ومسجلة استئنافا عرضيا طالبة قبوله شكلا وفي الاصل بتغريم المستأنفة لفائدة منوبتها ب2000د لقاء اتعاب المحاماة.

المــحـكـمـــة

 من حيث الشكل:
حيث كان الاستئنافان الأصلي والعرضي مستوفيين لشكلياتهما القانونية على معنى الفصل 130 وما بعده من مجلة المرافعات المدنية والتجارية واتجه التصريح بقبولهما شكلا.
 من حيث الأصل:
1/  في الاستئناف الأصلي: 
  حيث تعلق الطعن بالاستئناف بطلب نقض الحكم الابتدائي والقضاء من جديد بإبطال الحكم القاضي بالرجوع في التبني عدد 82187 بتاريخ 23/7/1985.
  وحيث تعلقت الدعوى بإبطال حكم قضائي قاض بالرجوع في التبني.
  وحيث يطرح الطعن مسألة قابلية حكم الرجوع في التبني للإبطال (1) وموجبات إبطاله (2)
1-  قابلية حكم الرجوع في التبني للإبطال:
  حيث تخضع الاحكام القضائية عموما للمراقبة سواء عبر الطعن فيها بأوجه الطعن المخولة قانونا كالاستئناف والتعقيب والاعتراض والتماس اعادة النظر...أو عبر طلب الحكم ببطلانها اذا كان فاقدة لمقومات الاحكام القضائية التي ترمي اساسا لرد الحقوق الى اصحابها وإقامة العدل عبر انفاذ حكم القانون، فيبطل الحكم القضائي ويكون في حكم المعدوم اذا خلا من احد أركانه كأطراف النزاع وموضوعه ومنطوقه، أو إذا كان الخلل الذي اعتراه من الجسامة بما يفقده مقوماته...او إذا كفّ ان يكون عنوانا للعدل والإنصاف كأن يكون نافيا لحكم القانون ومكرسا لمظالم بينة وجسيمة أو كان غطاء لحيل وخزعبلات تستهدف تحقيق أغراض غير مشروعة...
  وحيث تهدف دعوى الابطال على اساس ذلك إلى جعل الحكم القضائي في حكم المعدوم بعد أن اعتراه عيب جسيم جرده من أركانه الاساسية على نحو يفقده كيانه وصفته كحكم ويطيح بما له من حصانة ويحول دون اعتباره موجودا منذ صدوره.
  وحيث يختلف التماس بطلان الاحكام القضائية عن الطعن فيها بأوجه الطعن الأخرى فإذا كان الطعن بالوسائل التقليدية كالاستئناف والتعقيب يستهدف الاحكام التي تتوفر على مقومات الحكم من الناحية الشكلية والأصلية ولكن طالها خرق للقانون او انحراف بالإجراءات او تحريف للوقائع وغيرها...بما يسمح بتدارك الإخلالات والخروقات وتصحيحها بواسطة حكم المحكمة الأعلى درجة التي تقضي بتعديله أو إكمال نقصه أو بنقضه كليا او جزئيا وإعادة النظر مجددا فيما تم نقضه، فان الطعن بالإبطال يستهدف الغاء الحكم القضائي برمته ومحو جميع آثاره منذ صدوره لفقدانه أركانه الاساسية ومقوماته الجوهرية - سواء من الناحية الشكلية او الاصلية - لخلل في ذاته بما ينفي عنه صفة الحكم، دون أن يتيح ذلك للمحكمة البت مجددا في النزاع موضوعه.
  وحيث تأسيسا على ذلك فان دعوى ابطال حكم قضائي لا يمكن مجابهتها باتصال القضاء لان اتصال القضاء تواجه به الدعاوى الرامية الى اعادة النظر في نزاعات حول حقوق سبق البت في موضوعها قضائيا بين نفس الخصوم وفي نفس الموضوع، أما دعوى الابطال فلا تهدف الى اعادة النظر في اصل النزاع والحقوق المتضاربة صلبه بل ترمي الى النظر في دعوى جديدة مختلفة عن النزاع الاصلي وهي حتما ابطال كامل الحكم القضائي المنجر عن النزاع واعتباره كان لم يصدر قط وذلك لخلل في ذاته حتى لو اتصل به القضاء... لذلك شُرعت دعوى الابطال فيما شرعت كطريقة قانونية لتجاوز قرينة اتصال القضاء كي لا تكون حصنا للأحكام الفاقدة لمقوماتها والمبنية على خروقات جسيمة أو غش او تحايل..
   وحيث ومن جهة اخرى فان من شروط اتصال القضاء حسب الفصل 481 م ا ع وحدة الموضوع والسبب والأطراف، وبالرجوع الى قضية الحال يتضح ان دعوى الحال موضوعها إبطال حكم الرجوع في التبني وهو موضوع مختلف عن دعوى الرجوع في التبني،  كما اتضح أن المستأنفة لم تكن طرفا في حكم الرجوع في التبني المطعون فيه كما لم تكن ممثلة في القضية موضوعه بأي وجه من الوجوه رغم انها كانت هي نفسها محلا للنزاع في تلك القضية ...ولا يمكن حينئذ التمسك ازاءها باتصال القضاء او بحجية الحكم باعتبارها غيرا عنه حال ان الاحكام لا تلزم إلا اطرافها عملا بمبدأ الحجية النسبية للأحكام.
   وحيث اضافة الى ذلك فليس بوسع المستأنفة من الناحية المادية والعملية الطعن في حكم الرجوع في التبني بوجه اخر كالاستئناف وذلك باعتبارها لم تكن طرفا فيه وباعتبار مضي مدة طويلة جدا على صدوره حيث صدر حين كانت قاصرا دون أن يُفترض علمها بصدور الحكم...ليكون الطعن بالبطلان الطريقة القانونية الباقية لحماية حق المستأنفة في الهوية ومطابقة حالتها الشخصية والمدنية من الناحية القانونية ومن الناحية الواقعية تداركا لإخلالات سابقة لم تكن متسببة فيها بل كانت متضررة منها بصفة مباشرة.
   وحيث زيادة على ذلك، فان الدعاوى المتعلقة بالحالة الشخصية والحقوق اللصيقة بذات الانسان وكيانه كتلك المرتبطة بالحق في الحياة والنسب والهوية تهم النظام العام لذلك لا تسقط بالتقادم ولا يصح مجابهة صاحب الحق باتصال القضاء في شانها ويظل التداعي في خصوصها ممكنا ولو بعد استيفاء طرق الطعن العادية وتبقى الاحكام القضائية المتعلقة بها قابلة للمراجعة وكذلك الإبطال تحقيقا للمصلحة الحيوية المرتبطة بالنظام العام، ليكون حكم الرجوع في التبني خاضعا لهذه القاعدة وقابلا للإبطال بطبيعته... 
  وحيث فضلا عن كل ذلك فإن دعوى الرجوع في التبني ذاتها لم تقتضها النصوص القانونية بصفة صريحة بل تحول حرفية الفصل 13 من قانون التبني المقرة للصبغة النهائية للحكم دون قبولها ومع ذلك وجد اتجاه فقهي وقضائي يرجح قبولها تأسيسا على الصبغة العقدية لحكم التبني وافتراضا لمصلحة المتبنى، ومن باب أولى تكون دعوى ابطال حكم الرجوع ممكنة - ولو لم ينص عليها المشرع - إذا رامت أيضا حماية الجانب العقدي في حكم التبني وكانت الغاية منها تحقيق مصلحة المتبنى...
  وحيث - تأسيسا على كل ذلك - يظل حكم الرجوع في التبني قابلا للإبطال من الناحية القانونية لكن بشرط توفر اسباب الابطال وموجباته.

ثانيا: إبطال حكم الرجوع في التبني:
   حيث تضمن ملف القضية أسبابا عديدة لإبطال حكم الرجوع في التبني، بعضها يفتقد للوجاهة واتجه استبعاده وبعضها الآخر في طريقه وحق اعتماده. 
 الأسباب المستبعدة للإبطال:
حيث إن الأسباب المستبعدة للبطلان هي تلك المؤسسة على أحكام الفصل 484 م إ ع (1) وتلك المؤسسة على مقتضيات قانون العدالة الانتقالية (2)
1/ البطلان على اساس الفصل 484 م ا ع:
حيث تمسك نائب المستأنفة ببطلان حكم الرجوع في التبني على أساس الفصل 484 م إ ع.
وحيث خول الفصل 484 م ا ع "نقض الحكم الذي لا رجوع فيه اذا ثبت ان الحكم بُني على غلط حسي كان السبب الاصلي او الوحيد في صدوره "، غير ان الفصل المتمسك به يتعلق بنقض الاحكام لا بإبطالها، إذ يقتضي النقض إعادة النظر في القضية والحكم في اصلها مجددا لوجود غلط حسي في الحكم المطعون فيه، أما الابطال فيرمي الى الغاء الحكم برمته لخلل فيه دون أن يسمح للمحكمة بتعديله او النظر مجددا في جوهر النزاع وهو لا يقتضي ضرورة وجود غلط حسي، ليكون القيام بدعوى الابطال على ذلك الأساس في غير طريقه وحريا بالرد.
2/ البطلان على أساس قانون العدالة الانتقالية:
   حيث تمسكت المستأنفة ببطلان حكم الرجوع في التبني تبعا لحصول انتهاك جسيم على طفل قاصر على أساس الفصل 8 من القانون عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها، والحال أن قانون العدالة الانتقالية عموما من خلال فصله الثالث يفترض في الانتهاك الجسيم أن يكون ممنهجا وصادرا عن أجهزة الدولة او مجموعات أو أفراد تصرفوا باسمها أو تحت حمايتها وهو ليس شان قضية الحال التي لم تثبت فيها بوجه او بأخر الصبغة المنظمة للانتهاك الواقع على المستأنفة أو تورط اجهزة الدولة فيه، كما ان الاختصاص بالنظر في تلك الانتهاكات طبقا للفصل 8 من القانون المشار إليه معقود لدوائر قضائية متخصصة بالمحاكم الابتدائية المنتصبة بمقار محاكم الاستئناف التي لم تُحدَث بعد، بما يجعل محاكم الحق العام غير ذات نظر في تلك الدعاوى...وليكون التماس البطلان على اساس قانون العدالة الانتقالية غير ذي وجاهة وحريا بالرفض.
 الأسباب المعتمدة للإبطال:
   أظهرت مظروفات الملف بطلان حكم الرجوع في التبني من أوجه خمسة وهي: اعتلال الخصومة (1) وفداحة أخطاء المحكمة (2) والانحراف بالحق في التقاضي والحياد بوظيفة الحكم القضائي (3) وإهدار حقوق ومصلحة المتبنى (4) وعدم تنفيذ الحكم لمدة تفوق 20 سنة (5).
  1/ البطلان لاعتلال الخصومة:
   حيث يعرف الحكم القضائي بالقرار الذي يصدر كتابة عن محكمة مشكلة تشكيلاً صحيحاً في خصومة رفعت إليها وفق قواعد المرافعات.
   وحيث تشكل الخصومة أحد اركان الحكم القضائي وإن انعدامها أو عدم انعقادها قانونا بين أطرافها لوفاة قبل رفع الدعوى أو فقد أهلية أو انعدام صفة يجعل الحكم المتولد عنها معدوما وحريا بالإبطال.
   وحيث كانت الخصومة موضوع الحكم المراد إبطاله معتلة من ثلاثة أوجه: أولها عدم ثبوت صفة القائمَين بدعوى الرجوع في التبني (أ)، وثانيها عدم تمثيل الطفل المتبنى في الحكم موضوعها(ب)، وثالثها عدم شمولها للحق العام ممثلا في النيابة العمومية (ج).
أ‌- البطلان لعدم ثبوت صفة القائمَين بدعوى الرجوع في التبني:
  وحيث اقتضى الفصل 19 م م م ت ان حق القيام لدى المحاكم يكون لكل شخص له صفة وأهلية تخولانه حق القيام بطلب ما له من حق وأن تكون للقائم مصلحة في القيام... ومن واجب المحكمة رفض الدعوى إذا تبين لها من أوراق القضية أن أهلية القيام بها منعدمة أو لم تكن للطالب صفة القيام بها.
  وحيث تم تقديم دعوى الرجوع في التبني من قبل المدعوّين "ع.ح.ع" و "ف.ب.ح" على اساس انهما الوالدان الطبيعيان للبنت كوثر.
  وحيث لم يتضمن ملف قضية الحال ولا حيثيات الحكم المراد ابطاله ما يفيد أبوة وأمومة المذكورين للبنت "ك" بما يجعل نسبتها اليهما محل شك وارتياب خصوصا وان حكم التبني نفسه لم يتضمن اسميهما كطرف فيه اذ تم الاكتفاء باسم طالبي التبني والحق العام.
  وحيث ان الأصل في الدعاوى والأحكام أن تجمع خصوما أو أطرافا ذوي صفات يقع إثباتها لا على صفات قائمة على مجرد الادعاء، وطالما لم تثبت صفة المدعيَين في حكم التبني كوالدي البنت "ك" فان قيامهما بدعوى الرجوع في تبنيها يغدو صادرا ممن لا صفة له قانونا في الدعوى بما يجعل الحكم المترتب عنها والذي أغفل تطبيق الفقرة الثالثة من الفصل 19 م م م ت معيبا وحريا بالإبطال.
ب‌-  البطلان لعدم تمثيل الطفل المتبنى في حكم الرجوع في التبني:
  حيث تقتضي النظرية العامة للأحكام القضائية أن ينتج الحكم القضائي عن خصومة منعقدة بين طرفين على الأقل حيث يتواجه الخصمان بالأدلة والبراهين والحجج تتولى المحكمة دراستها وتمحيصها وتقييمها والترجيح بينها.
  وحيث ولئن لا تتضمن جميع القضايا على خصومة أو مصالح متضاربة بين اطرافها كأن تتضمن اتفاقا تُصادق عليه المحكمة ويصدر في صيغة حكم مثلما هم شأن حكم التبني طبقا للفصل 13 من قانون التبني، إلا أنه من الضروري أن يكون صاحب المصلحة الشرعية في الدعوى طرفا ضروريا فيها.
  وحيث إن خلو الدعوى - ومن ثمة الحكم القضائي - من "طرف" أو "خصم" ضروري يجعل الخصومة القضائية غير منعقدة أصلا ويجعل الدعوى غير قائمة في حقه ليكون الحكم القضائي المتولد عنها باطلا لا وجود له قانونا.
  وحيث تهم دعوى الرجوع في التبني أساسا شخص المتبنى لتعلق الأمر بهويته ونسبه ومصيره ومعاملاته المالية...ووجب أن يكون ضرورة طرفا في النزاع بواسطة من يمثله كي يتولى الدفاع عن حقوقه ومصالحه وتحمل مسؤولية القيام في حقه لدى المحكمة مُدعيا كان أم مدعى عليه.
  وحيث إن عدم شمول دعوى الرجوع في التبني للطفل المتبنى كطرف يجعل منه مجرد محل للتعاقد ثم موضوعا للدعوى يتنازع حوله الخصوم او يتفق بشأنه المتعاقدون وهو ما يشكل إهدارا للكرامة البشرية تأباه مقتضيات الفصل 23 من دستور 26 جانفي 2014 الذي ينص على أن: "تحمي الدولة كرامة الذات البشرية..." وكذلك مقتضيات الفصل 47 منه الذي ينص على أن: "حقوق الطفل على أبويه وعلى الدولة ضمان الكرامة..."
  وحيث زيادة على ذلك، وبتفحص حكم الرجوع في التبني يتضح أن الطفلة المتبناة "ك" كانت بتاريخ رفع دعوى الرجوع في التبني تبلغ من العمر 18 سنة اي انها كانت قاصرا طبق القانون الجاري به العمل آنذاك ولم يقع تمثيلها في النزاع بواسطة وليها - سواء والداها المفترضان أو والداها بالتبني - طبقا لأحكام الفصل 6 م ا ع والفصل 154 م ا ش وذلك بالرغم من كونها صاحبة المصلحة الاساسية والشرعية والمباشرة في الدعوى، وقد خالفت المحكمة مقتضيات الفصل 19 م م م ت وقبلت الدعوى التي كان طرفاها الوالدان المفترضان والوالد بالتبني فقط بالرغم من أن صفة بعضهم ومصلحته في الدعوى غير ثابتة وصفة البعض الآخر غير مباشرة و تبعية ومتفرعة عن مصلحة الطفلة المتبناة، ليكون الحكم خاليا من طرف ضروري في الدعوى وهو ذو الصفة والمصلحة الأساسية ممن وجب تمثيله فيها بما يجعله فاقدا لأحد أركانه الاساسية وحريا بالإبطال من هذه الجهة.
ج-  البطلان لعدم تمثيل الحق العام بواسطة النيابة العمومية:
  حيث تبين من الشهادة في نص حكم تبني الصادرة بتاريخ 31/3/2011 ان حكم تبني المستأنفة الصادر في 19/7/1968 شمل والد المستأنفة بالتبني "أ.ب" من جهة والحق العام من جهة أخرى غير ان النيابة العمومية الممثلة للحق العام الذي كان طرفا في قضية التبني لم يتم استدعاؤها ولا تمثيلها او حتى عرض الملف عليها في قضية الرجوع في التبني مثلما يقتضي ذلك مبدأ توازي الشكليات والأساليب وما تحتمه حماية المصالح التي تهم النظام العام، وهو ما يعد خللا اجرائيا وشكليا جسيما يعيب حكم الرجوع في التبني ويبرر الحكم ببطلانه.
 2/ البطلان لفداحة أخطاء المحكمة: 
  حيث ينتج الحكم القضائي عن مسار من الإجراءات والأعمال القانونية التي تنجزها المحكمة والتي تمهد لصدور الحكم أو تبرر منطوقه، لذلك يكون لبعض الإجراءات القانونية أو الاعمال القضائية أهمية بالغة بحكم تأثيرها المباشر على صدور الحكم والمنحى الذي يتخذه، فيكون الخطأ فيها من الفداحة بما يطال الحكم ذاته ويبرر ابطاله.  
  وحيث انطوت أعمال المحكمة على خطأين فادحين على الأقل تمثلا أساسا في إعراضها عن التماس الحقيقة وفي عدم تعليل حكمها.
- الإعراض عن التماس الحقيقة:
  حيث تعلق الحكم المطعون فيه بالرجوع في التبني.
  وحيث إن الأحكام القضائية تتمتع بقوة قانونية تعطيها حجية الشيئ المقضي به وتصبح قانونا عنوانا للحقيقة، وتأسيسا على ذلك وجب أن يكون الحكم القضائي قد صدر بعد ان تحرت المحكمة في أوراق القضية وفحصت المؤيدات المقدمة لها وأجرت الابحاث الضرورية بغاية التوصل – في حدود موضوع الدعوى والطلبات - إلى نتيجة موضوعية ومقنعة تصلح أن تكون أساسا لحقيقة قضائية تنشد العدل.
   وحيث ولئن كانت المحكمة غير ملزمة بالوصول إلى حقيقة القضائية مطابقة للحقيقة الواقعية إلا أنه من واجبها – من الناحية الإجرائية والأصلية - أن تغوص في عمق النزاع بالتحرى في مظروفات الملف وتدرس المؤيدات والتصريحات وتقيمها وتتحقق من مصداقيتها ناهيك عن إذنها بإجراء ابحاث وتحريات إضافية رفعا للالتباسات ودرءا للغموض والتماسا لليقين...، وإن إحجامها عن ذلك يعد تخليا منها عن واجبها في التماس الحقيقة إقامة للعدل وإحقاقا للحق. 
  وحيث ترتبط قضايا التبني والرجوع فيه وقضايا الاطفال عموما بمفهوم مصلحة الطفل المتبنى الفضلى والتي تهم النظام العام ووجب على المحكمة المتعهدة بها – والمتجردة من واجب الحياد على معنى الفصل 12 م م م ت - القيام بجميع التحريات الموصلة لذلك عبر الاستقراءات والأبحاث الاجتماعية والتحريرات المكتبية وسماع الاطراف ومنها شخص المتبنى خصوصا اذا كان مميزا لمعرفة موقفه والبحث في ظروفه الاجتماعية والنفسية والتربوية... 
  وحيث تقوم الأوضاع الشخصية والحالة المدنية للأشخاص كتلك المرتبطة بالهوية على قاعدة الثبات والاستقرار وإن تغييرها يجب ان يكتسي صبغة استثنائية وان يكون مبررا ويمليه تهديد جدي لذي المصلحة وهو ما لا يمكن إدراكه دون إجراء الاستقراءات الضرورية. 
  وحيث اقتضى الفصل 86 م م م ت أنه "يمكن للمحكمة إذا رأت لزوم إجراء أبحاث معينة من سماع بيّنات أو إجراء توجهات واختبارات أو تتبع دعوى الزور أو غير ذلك من الأعمال الكاشفة للحقيقة أن تأذن للقاضي المقرر بإتمامها."
  وحيث ولئن كان اللجوء إلى الأبحاث المنصوص عليها بالفصل 86 م م م ت اختياريا بالنسبة للمحكمة في الصور التي لا تكون فيها مقيدة بواجب الحياد لتعلق النزاع بمصالح الخصوم الشخصية، إلا أن إجراء تلك الأبحاث يغدو ضروريا وواجبا على المحكمة كلما تعلق الأمر بمصالح تهم النظام العام كحقوق الطفل ومصحة المتبنى خصوصا إذا كان ملف القضية مفتقدا للحد الأدنى من عناصر ومعطيات البت في النزاع عن دراية وعلى بصيرة. 
  وحيث بالرجوع إلى مظروفات الملف يتبين ان محكمة الحكم المراد ابطاله تقاعست عن القيام بالأبحاث اللازمة وإجراء الاستقراءات الضرورية لتبين صحة الدعوى ومتانة أسانيدها وحجية مؤيداتها وفاتها اجراء تحريرات مكتبية لسماع طرفي الدعوى أو إجراء بحث اجتماعي لتقدير مصلحة المتبنى أو سماع الطفلة المتبناة رغم انها مميزة وقريبة من سن الرشد المدني، واكتفت المحكمة بتلقي طلب محامي الوالدين المفترضين الرجوع وموافقة الوالد بالتبني دون التأكد من صفة طالبي الرجوع وحقيقة الطلب ومصداقيته ودوافعه ثم المصادقة بصفة الية على ذلك دون مراقبة او تحرّ أو تحقيق في مكمن مصلحة الطفلة ومن ثمة اصدار حكم متسرّع ومعتلّ عار عن البحث والتحقيق وخال من إجراءات وأعمال قضائية أساسية، مُنزلة بذلك عملية تبني الطفلة منزلة عقد البيع او الهبة لبضاعة او متاع والتي يُكتفى فيها برضا المتعاقدين، وهو ما يشكل من الناحية الأصلية إهدارا لكرامة الذات البشرية ومن الناحية الإجرائية إعراضا عن الحقيقة الواجب التماسها وإحقاقها صلب الأحكام القضائية عنوان العدالة وصون الحقوق، وهي جميعا عيوب جسيمة تقوض بنيان الحكم وتبرر ابطاله.
- عدم تعليل الحكم:
  حيث اقتضى الفصل 123 م م م ت أنه "يجب أن يضمن بكل حكم المحكمة التي أصدرته وأسماء وصفات ومقرات الخصوم موضوع الدعوى وملخص مقالات الخصوم والمستندات الواقعية والقانونية ونص الحكم...
  وحيث إن تعليل الأحكام القضائية هو أحد شروط صحتها باعتباره الأساس القانوني والواقعي الذي ينبني عليه منطوقها.
  وحيث ولئن كان ضعف التعليل من أسباب الطعن في الأحكام، فإن انعدام التعليل في معرض الحاجة إلى التعليل يعيب الحكم ويجعله خاليا من أحد عناصره الشكلية الجوهرية وحريا بالابطال.
  وحيث بالرجوع إلى مظروفات الملف يتضح أن الحكم المراد إبطاله جاء مقتضبا وخلا من أي مستند واقعي أو قانوني يبرر القضاء بالرجوع في التبني، واكتفت المحكمة بمعاينة موافقة طرفي الدعوى على الرجوع في التبني وترتيب أثر مُسقط إسقاطا عليها دون ارتباط حقيقي ودون استناد إلى حجج واقعية أو أسانيد قانونية، ليكون حكمها خاليا من أحد عناصره الجوهرية المنصوص عليها بالفصل 123 م م م ت وهي التعليل بما يبرر الحكم ببطلانه. 
3/ البطلان للانحراف بالحق في التقاضي والحياد بوظيفة الحكم القضائي:
  حيث اقتضى الفصل 107 من دستور 26 جانفي 2014 أن "حق التقاضي وحق الدفاع مضمونان."
  وحيث نص الفصل 102 من الدستور على أن "القضاء سلطة مستقلة تضمن إقامة العدل وعلوية الدستور وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات."
  وحيث شرع التقاضي لإقامة العدل بين الناس ورد الحقوق الى اصحابها وحماية المصالح المشروعة، ويفترض في دعوى الرجوع في التبني تحقيق المصلحة الفضلى للطفل المتبنى ناهيك عن مصالح اطراف عملية التبني شرط ان تكون جائزة قانونا وغير متعارضة مع مصلحة المتبنى وان يتم ذلك باستعمال وسائل مشروعة، ويترتب عن ذلك أن دعوى الرجوع تفتقد لمشروعيتها اذا اتضح انها ترمي الى تحقيق مصالح غير جائزة قانونا او انها تمس بمصالح الطفل المتبنى، ليكون الحكم القاضي بقبولها منحرفا بوظيفته الاصلية بما يقوض كيانه.
   وحيث يمكن قانونا اثبات سوء استخدام احد طرفي النزاع لحق التقاضي واستعماله حيلا وخزعبلات للحصول على حكم قضائي يسند حقوقا لغير اصحابها او يسلب اولي الحق حقهم بكل وسائل الإثبات لتعلق الامر بوقائع قانونية وذلك دونما ضرورة للجوء الى التقاضي الجزائي أو انتظار صدور حكم بالإدانة في الغرض...ويجوز حينئذ الاكتفاء بما توفر بمظروفات الملف من أدلة وقرائن متواترة ومتضافرة وقوية يحكمها رابط منطقي للتدليل على الانحراف بحق التقاضي والحياد بوظيفة الاحكام القضائية ومن ثمة ترتيب آثار مدنية على الأفعال غير المشروعة كالبطلان.
  وحيث بالرجوع الى مظروفات الملف يتضح انه وقع تبني الطفلة "ك" منذ سنة 1968 وخلال شهر أفريل 1985 توفيت الام بالتبني "ه. ف" عن ارملها المتبني "أ.ب" وابنتها بالتبني المستأنفة "ك" تاركة عديد العقارات المسجلة طبق ما هو مبين بحجة وفاتها المحررة بتاريخ 11/4/1985 وقد سارع الاب بعد مدة وجيزة بتاريخ 3 جوان 1985 الى القيام بإجراءات الرجوع في التبني واستصدار حكم في ذلك ثم القيام بإجراءات إصلاح حجة وفاة زوجته لتخلو من ابنتها بالتبني "ك". 
  وحيث اقتصر تنفيذ حكم الرجوع على القيام بإصلاح حجة وفاة الام بالتبني "ه.ف" مع بقاء عناصر هوية البنت المتبناة "ك.ب" على حالها نسبة لوالديها بالتبني الى تاريخ اليوم بعد اكثر من 29 سنة وهو ما تثبته جمله وثائق الحالة المدنية كمضمون ولادة المتبناة وعقد زواجها وشهادة في الجنسية... بما يقيم الدليل على فساد المقصد من استصدار حكم الرجوع في التبني وانتفاء الرغبة في حماية حقوق المتبناة وتحقيق مصلحتها، وانصراف إرادة محرك الدعوى إلى حرمانها من الميراث والاستئثار به لنفسه.
  وحيث شككت المستأنفة في انابة والديها المفترضين لمحام لتقديم قضية في الرجوع في تبنيها واعتبرت ذلك امرا محبوكا من والدها بالتبني، وبتفحص مظروفات الملف يتضح ان والد المستأنفة المفترض سبق له ان نفى بموجب الشهادة المتلقاة بواسطة عدلي الاشهاد سلوى عصمان وحسين البجاوي بتاريخ 13/5/1992 تكليفه لمحامية للقيام بالقضية نيابة عنه وتأكيده بان والد المستأنفة بالتبنى سبق ان اتصل به بعد 18 سنة من تبني الطفلة كوثر سنة 1968 وسلمه البنت مع مبلغ مالي دون ابلاغه بأي اجراءات او تفاصيل..كما اتضح أيضا من خلال بطاقات المعالجة والمواعيد والشهادات المتلقاة بواسطة عدل الاشهاد الاستاذة حوازة بوسكاية بتاريخ 7/11/2013 ان والدة المستأنفة المفترضة "ف.ب.ح" كانت فعلا تعالج من اجل مرض عقلي بمستشفى الرازي بما يؤشر لانعدام أهليتها..كما تبين كذلك– وخلافا للأصل في الأمور ولقوانين مهنة المحاماة وأعرافها من استئثار كل محام بمكتب بعنوان خاص به- ان عنوان مكتب محامية طالبي الرجوع في التبني الاستاذة "ف.م" هو نفس عنوان محامي خصمهما المدعى عليه في تلك القضية الاستاذ "س.ع" وهو ... تونس، وقد اكدت المستأنفة ان محامية المدعيين هي ابنة اخت المدعى عليه(الاب بالتبني) وهو ما لم تنفه المستأنف ضدها في قضية الحال..وكل ذلك -ودون اعتبار للمصادفات النادرة -يجعل قيام الوالدين المفترضين بدعوى الرجوع في التبني بواسطة المحامية المذكورة امرا مشكوكا فيه وغير ثابت تبعا لانتفاء مصلحة ظاهرة من ذلك وتباين مستوى المعيشة بين الاسرتين بين اليسر والفاقة ولعدم ثبوت التكليف بالقيام بطريقة اخرى بعد إنكاره من قبل الأب المفترض واستبعاد قيام الأم المفترضة بذلك لتواتر أدلة إصابتها بمرض عقلي أفقدها اهليتها.
  وحيث تبين أيضا أن من حضر بجلسة المرافعة المنعقدة في 9 جويلية 1985 علاوة على محاميي الطرفين هو المدعى عليه (الاب بالتبني) دون المدعيين بما يعكس حرصا مريبا على التخلص من عبئ ثقيل يتمثل في بنت وحيدة تبناها منذ 18 سنة وقد صرح للمحكمة بموافقته على الرجوع في التبني، رغم ان الأحرص على الحضور منطقيا هما الوالدين المفترضين للبنت باعتبارهما القائمين بالدعوى ولافتراض مصلحتهما ولهفتهما على استعادة ابنتهما مجددا...
  وحيث تشير القرائن المتعددة والمتواترة والمتضافرة والقوية والمترابطة ترابطا منطقيا إلى أن الساعي في القيام بدعوى الرجوع في التبني هو في الحقيقة الأب بالتبني (المدعى عليه فيها) وقد عجّل بعد وفاة زوجته ودون علم والدي المستأنفة الطبيعيين بإجراءات الرجوع في التبني ليتولى لاحقا اصلاح حجة وفاة الهالكة هند فتح الله وشطب البنت "ك" من قائمة الورثة ليستأثر هو بأغلب الميراث وهو ما يعد انحرافا بالإجراءات القضائية وتحايلا على أحكام الميراث التي تهم النظام العام فلا تجوز مخالفتها ناهيك عن التحايل عليها لاستبعادها...
  وحيث اتضح أن والد المستأنفة بالتبني قد استعمل وسائل غير مشروعة لاستصدار حكم الرجوع في التبني رمي من خلاله إلى تحقيق مصلحة غير جائزة قانونا وهو ما يعد - من جانبه - انحرافا بالحق في التقاضي ومن جانب المحكمة التي قبلت دعواه حيادا بوظيفة إقامة العدل المفترضة في الحكم القضائي كما تضمنتها أحكام الفصل 102 من الدستور، بما يحتم إبطاله.
 4/ البطلان لإهدار حقوق ومصلحة المتبنى:
    حيث كانت مسالة الرجوع في التبني مثارا للجدل والخلاف الفقه والقضائي بين من يعتبر ذلك جائزا قانونا وبين من لا يجيز ذلك...
   وحيث بعيدا عن الجدل القائم وبصرف النظر عن الموقف الفقهي والقضائي الذي يمنع القبول بالرجوع في حكم التبني لعدم التنصيص عليه قانونا واستنادا الى الصبغة النهائية لحكم التبني المنصوص عليها بالفصل 13 فقرة 2 من القانون المتعلق بالولاية العمومية والكفالة والتبني عدد 27 لسنة 1958 الصادر بتاريخ 4/3/1958 وما يقتضيه من استقرار للحالة الشخصية والمدنية للمتبنى، فإن الرأي القائل بجواز الرجوع في حكم التبني ذاته يقر بدوره بحتمية مراعاة مقتضيات الثبات واستقرار لذلك هو لا يجيز الرجوع في التبني إلا في حالة وجود تهديد جدي وحقيقي لمصالح وحقوق المتبنى الشخصية والمالية.
  وحيث ان تبين وجاهة حكم الرجوع في التبني تقتضي التأكد من مراعاته مصلحة وحقوق البنت المتبناة من عدمها حال القضاء بالرجوع في تبنيها. 
  وحيث اقتضى الفصل 47 من دستور 26 جانفي 2014 أنه: "على الدولة توفير جميع أنواع الحماية لكل الأطفال دون تمييز وفق المصالح الفضلى للطفل."
  وحيث نص الفصل 5 من مجلة حماية الطفل على أن "لكل طفل الحق في الهوية منذ ولادته. وتشمل الهوية الاسم واللقب العائلي وتاريخ الولادة والجنسية."
  وحيث نص الفصل 4 من مجلة حماية الطفل أنه: "يجب اعتبار مصلحة الطفل الفضلى في جميع الإجراءات التي تتخذ بشأنه سواء من قبل المحاكم أو السلطات الإدارية أو مؤسسات الرعاية الاجتماعية ...
  وحيث تخضع الاحكام المتعلقة بالتبني لمبدأ مصلحة المتبنى وكذلك مصلحة الطفل الفضلى وهي مسائل تهم النظام العام ووجب على المحكمة المتعهدة بها تجنب مخالفتها أو الحياد عنها.
  وحيث بالرجوع الى مظروفات الملف يتضح –  من ناحية الشكل - أن محكمة الحكم المراد ابطاله لم تتحر مطلقا مصلحة الطفلة المتبناة ولم تبحث فيها اصلا ولم تكلف نفسها عرض الملف على النيابة العمومية للنظر فيها وذلك بالرغم مما يخوله لها الفصل 251 فقرة 3 من م م م ت لتعلق الموضوع بمسألة تهم النظام العام، وبالرغم مما تحث عليه روح القانون المتعلق بالولاية العمومية والكفالة والتبني عدد 27 لسنة 1958.
  وحيث – ومن ناحية الأصل - فقد اصدرت المحكمة حكمها المناقض تماما لمصلحة المتبناة وذلك بقبولها بكل سرعة وبساطة الرجوع في تبنيها بعد مدة وجيزة جدا من وفاة والدتها بالتبني رغم قضائها 18 سنة لدى والديها بالتبني، وهو ما ادى حرمانها من الاحتفاظ بهوية لازمتها منذ ولادتها وميراثا وفيرا تستحقه قانونا بموجب أحكام الفصل 15 من قانون التبني (للمتبنى نفس الحقوق التي للابن الشرعي وعليه ما عليه من الواجبات)، وإعادتها – بلا رغبة منها - الى والدين مفترضين دون ان يتبع ذلك – على الأقل - استعادتها لهويتها الأصلية ونسبتها مجددا إليهما، وهو ما يعد تضييعا صريحا لحقوقها وإهدارا مباشرا لمصلحتها بما يتناقض حتما مع المقصد التشريعي الراسخ وهو تحقيق مصلحة المتبنى ليكون الحكم الصادر بذلك مختلا في جوهره وحريا بالإبطال.
5/ البطلان لعدم تنفيذ الحكم لمدة تفوق 20 سنة: 
  حيث اقتضى الفصل 257 م م م ت انه يبطل العمل بالحكم بمضي عشرين سنة مسيحية من تاريخ يوم صدوره. 
   وحيث صدر حكم الرجوع في التبني منذ تاريخ 23 جويلية 1985 أي منذ 29 سنة تقريبا دون أن يقع تنفيذه في خصوص الأثر الأهم والأساسي لذلك الحكم وهو هوية الطفلة المتبناة سواء بشطب اسمي والديها بالتبني برسم ولادتها ومختلف وثائق الحالة المدنية أو بالتنصيص مجددا على هوية والديها المفترضين بدفاتر الحالة المدنية توازيا مع ما اقره الفصل 13 فقرة أخيرة من قانون التبني بالنسبة لحكم التبني بما يجعل الحكم لاغيا وجوبا وغير ذي نفاذ وحريا بالإبطال عملا بصريح الفصل 257 م م م ت. 
   وحيث ان بطلان حكم الرجوع في التبني في خصوص أثره الاساسي والأصلي المتعلق بهوية البنت المتبناة وحالتها المدنية يؤدي بصفة الية الى بطلانه في خصوص آثاره الفرعية والعرضية ولو تم تنفيذه في خصوصها عملا بقاعدة "الفرع يتبع الأصل" وقاعدة "ما بني على باطل فهو باطل".
*****
   وحيث شابت حكم الرجوع في التبني عيوب جوهرية متعددة يصلح كل منها سببا منفردا لإبطاله ناهيك عن اجتماعها صلبه، وقد طالت تلك العيوب مقومات المحاكمة العادلة وقوضت أسس العمل القضائي ومست جوهر الحقوق..، وهو ما يفقد الحكم المشوب بها كيانه وينزع صفته كحكم ويجعله قانونا في حكم المعدوم الذي لم تصدره محكمة.
   وحيث كان حكم الرجوع في التبني فاقدا لوجوده القانوني وليس لهذه المحكمة سوى نقض الحكم الابتدائي والقضاء من جديد ببطلانه وإلغاء جميع آثاره. 
ثالثا: في الخطية والمصاريف:
وحيث أفلحت المستأنفة في استئنافها واتجه إعفاؤها من الخطية وإرجاع المال المؤمن اليها طبق الفصل 151 م م م ت.
وحيث تكبدت المستأنفة اتعاب تقاض وأجور محاماة حق تعويضها عنها ب300.000د.
وحيث تحمل المصاريف القانونية على المحكوم عليها طبق الفصل 128 من م م م ت.
  في الاستئناف العرضي: 
حيث طالما كان الاستئناف الاصلي متجها وتمت الاستجابة له فإن الاستئناف العرضي يغدو غير ذي وجاهة وحريا بالرفض.
ولهذه الأسباب

  قضت المحكمة بقبول الاستئناف شكلا وفي الأصل بنقض الحكم الابتدائي والقضاء من جديد ببطلان حكم الرجوع في التبني الصادر عن المحكم الابتدائية بتونس بتاريخ 23/7/1985 تحت عدد 82187 وإلغاء جميع آثاره وإعفاء المستأنفة من الخطية وإرجاع المال المؤمن إليها وتغريم المستأنف ضدها الأولى لفائدتها بثلاثمائة دينار (300.000د) لقاء أتعاب التقاضي وإشراف المحاماة عن هذا الطور وحمل المصاريف القانونية عليها ورفض الاستئناف العرضي موضوعا.
 

شارك المقالة عبر:

اترك تعليقا: