-->

الإرهاب في القانون التونسي: دراسة قانونية

 




 مفهوم الإرهاب

إن إفراد مفهوم الإرهاب بجزء كامل من بحثنا هذا يجد تبريره في سببين وأولهما وأن تحديد ماهية هذا المصطلح تيسر بصورة لاحقة دراسة هذا الصنف من الجرائم باعتباره ليس بالأمر الهين إذ سنحاول البحث عن الأسباب الكاملة وراء هذا الغموض. وهو ما سيكون مخطط بحثنا في هذا الجزء  إذ سنحاول في مبحث أول استعراض البعض من محاولات تعريف الإرهاب (مبحث أول) وإثر ذلك سنتخلص في (مبحث ثاني) إلى البحث عن الصور المختلفة للإرهاب وسوف نحاول قدر الإمكان التركيز على القانون التونسي .

المبحث الأول: محاولة تعريف الإرهاب:

كما أسلفنا فإن تعريف مصطلح الإرهاب لم يحضى بموافقة الجميع حيث تعددت المفاهيم ويرجع ذلك إلى غيرة الدول على سيادتها وعدم استعدادها للتخلي عن امتيازاتها وعن سياسة الهيمنة حالت دون تحديد مفهوم الإرهاب خاصة حين تكون هذه الدول مورطة في أعمال إرهابية’ غير أن هذه العوائق لن تثني البعض من محاولة البحث عن هذا المفهوم من خلال التطرق إلى التعاريف اللغوية (الفصل الأول) ثم من خلال بعض المحاولات الفقهية (الفصل الثاني) للتطرق في مرحلة أخيرة إلى التعاريف التشريعية (الفصل الثالث).

الفصل الأول: تعدد التعاريف:

*الفرع الأول: التعاريف اللغوية:   

       

لقد ورد مصطلح الإرهاب في بعض الآيات القرآنية وهي آيات متضمنة لفعل" أرهب " أو لكلمة "رهبة" أو "رهب" واختلفت معاني هذه الكلمات من آية إلى أخرى حيث أفادت الخشية والتقوى والخوف والردع وهو المعطى الذي اعتمد في تعريف الإرهاب في المجمع اللغوي العربي الذي جاء فيه أن الإرهاب من أرهب أي خاف وأفزع(5) و يذهب المعجم الوسيط إلى أن الإرهاب هو وصف يطلق على الذين يسلكون العنف والإرهاب لتحقيق أهدافهم السياسية. أما في اللغة اللاتينية فقد استعملت هذه الكلمة بعد أن ضربت جذورها في لغات المجموعة اللاتينية وانتقلت فيما بعد إلى لغات أوروبية أخرى وإن كان يعود استعمال أصلها كمصطلح إلى فترة الثورة الفرنسية (6) كما ظهر المصطلح في أول قاموس للأكاديمية الفرنسية في عام 1964 وأوضح هذا القاموس وجود عنصرين لكلمة إرهاب Terreur أولا العنصر النفسي  ويعني حدوث تخويف و وترهيب أو إكراه جسم أو هياج أو اضطراب أو فتنة في النفس ويكون مبعث هذا الخوف أو ذلك الهياج مما يؤدي إلى وجود خطر حالي. وثانيا العنصر البدني و يعني قيام الجاني بإحداث مظاهر خارجية بواسطة جسده(7). وعرفه قاموس الفقه الفرنسي terboR بأنه الاستخدام المنظم لوسائل استثنائية للعنف من أجل تحقيق هدف سياسي كالاستيلاء أوالمحافظة و ممارسة السلطة وهو يعني بالخصوص مجموع أعمال العنف التي تنفذها منظمة سياسية  بقصد خلق حالة من انعدام الأمن. و يضيف هذا التعريف أن الإرهاب يمكن أن يكون كذلك أسلوب حكم.

 أما قاموس Larousse فيعرف الإرهاب بكونه مجموعة أعمال العنف التي ترتكبها مجموعات ثورية أو أسلوب عنف الحكومة.


 

كذلك يعرف Encyclopedique larousse grand Le الإرهاب بأنه مجموع أعمال العنف المرتكبة من طرف مجموعات ثورية.

كما يعرف قاموس اللغة الإنجليزية « OXFORD » كلمة الإرهاب بأنها استخدام العنف والتخويف بصفة خاصة لتحقيق أغراضا سياسية وفقها حاول عدد من فقهاء القانون الدولي الجنائي إيجاد تعريف محدد للإرهاب وفي ما يلي بعض التعريفات التي أوردها فقهاء القانون للإرهاب.

*الفرع الثاني: التعاريف الفقهية:

لقد حاول فقهاء القانون تعريف الإرهاب غير أن تنوع مظاهره جعلت جهودهم مشتتة مما يؤكد صعوبة إيجاد تعريف واضح لكن سوف نستعرض البعض من المحاولات الفقهية.

إذ يرى الفقيه سالدانا بأن المعنى الواسع للإرهاب هو كل جناية أو جنحة سياسية أو اجتماعية يترتب على تنفيذها أو حتى مجرد الإعلان عنها إشاعة الفزع العام لما لها من طبيعة منشئة لخطر  عام. ويهدف العمل الإرهابي في معناه الضيق عنده إلى نشر  الخوف والرعب كعنصر شخصي عن طريق استخدام وسائل قابلة لخلق حالة من الخطر العام.(8)


 

ويقدم الأستاذ توفيق الصالحي التعريف التالي للإرهاب. الإرهاب هو استعمال للعنف يخلق حالة خوف أو رعب بغية الوصول إلى أهداف سياسية أو إيديولوجية وقد تمارس الدولة أو يوجه ضدها (9) كما يعرف الأستاذ محمد عطية راغب الإرهاب بأن الاعتداء الذي تقترفه العصابات أو الجماعات الإرهابية ضد السلطات النظامية في الدولة عن طريق التخريب والنسف وإثارة الفزع الذي يبعث الذعر وينشئ خطرا عاما يهدد عددا غير محدود من الأشخاص ويعتمد على أساليب وحشية لا يتناسب ضرورة مع الغرض المستهدف به.


 

وعرف الدكتور أحمد جلال عزالدين  الإرهاب بكونه عنف منظم ومتصل بقصد خلق حالة من التهديد العام الموجه إلى دولة أو جماعة سياسية والذي ترتكبه جماعة منظمة بقصد تحقيق أهداف سياسية.(10)

ويرى ترنتون Thoronton أن الإرهاب هو استخدام الرعب كعمل رمزي الغاية منه التأثير على السلوك السياسي بوسائل غير اعتيادية ينتج عنها استخدام التهديد أو العنف.

أما ولتر Walter فيرى أن الإرهاب عملية تتألف من ثلاثة عناصر فعل العنف أو التهديد باستخدامه ردة الفعل العاطفية الناجمة عن أقصى درجات الخوف الذي أصاب الضحايا و التأثيرات التي تصيب المجتمع بسبب العنف أو التهديد باستخدامه.

كما يعرف ميكولوس Micholus.E الإرهاب بأنه استخدام أو التهديد باستخدام القلق الناجم عن العنف غير الاعتيادي لمآرب سياسية يقصد منه التأثير على مواقف وسلوك مجموعة استهدفها العمل أكثر من استهداف الضحية المباشرة.


 

أما بالنسبة للأستاذة "توم ماليسون" (11) فقد رف الإرهاب بأنه الاستعمال المنسق للعنف أو التهديد باستعماله من أجل بلوغ أهداف سياسية.

وفي نفس السياق يذهب الفقيه ريمون آرون (12) إلى أن ما نسميه فعل الإرهاب هو فعل العنف الذي تجاوز أهمية تأثيراته السيكولوجية أهمية نتائجه المادية البحتة . فيتضح من كل ما تقدم  وأنه بالرغم من هذا الاختلاف والتباين فإن جميع من تطرقوا لموضوع الإرهاب يكادون يجمعون على أن الإرهاب يتمثل في تلك الأعمال الإجرامية التخريبية التي تثير الرعب والفزع بقصد تحقيق أهداف معينة(13).

فبمراجعة مختلف هذه التعريفات نجد ثلاث عناصر تحظى باهتمام بالغ ألا وهي العنصر المادي وهو العنف والعنصر النفسي وهو الفزع أو الخوف والعنصر الأخير وهو الهدف أو الغاية.


 

ونظرا لتنامي خطورة الجرائم الإرهابية خلال السنوات الأخيرة أصبح العالم ينظر إليها على أنها أخطر تهديد للأمن والسلم الاجتماعيين لذا فقد أولتها التشاريع بمختلف الدول أهمية قصوى وعين المجتمع الدولي بمواجهة ظاهرة الإرهاب بالعديد من الإتفاقيات سواء الدولية  (14) أو الإقليمية (15) وهو ما سنتعرض إليه في (الفصل الثالث).

*الفرع الثالث: التعاريف التشريعية:

رغم الزخم من الاتفاقيات يبقى العمل التشريعي والجزائي داخل كل دولة هو الأقدر على استيعاب ظاهرة الإرهاب وتأطيرها قانونا وإيجاد الآليات الكفيلة بالمكافحة.(16)

وفي إطار هذا التمشي قام المشرع التونسي في مرحلة أولى بإضافة إجراءات خاصة بالجريمة الإرهابية بالفصل 52 مكرر للمجلة الجنائية (17)  إذ ينص الفصل 52 مكرر م.ج  الملغى على أنه يعاقب مرتكب الجريمة المتصفة بالإرهابية بالعقاب المقرر للجريمة نفسها ولا يمكن النزول به إلى ما دون النصف. وتوصف بإرهابية كل جريمة لها علاقة بمشروع فردي أو جماعي يستهدف النيل من الأشخاص والممتلكات لغرض التخويف والترويع. وتعامل معاملة الجرائم المتصفة بالإرهابية أعمال التحريض على الكراهية والتعصب العنصري أو الديني مهما كانت الوسائل المستعملة.والذي أضيف إلى القسم الثالث من


 

المجلة الجنائية بمقتضى القانون عدد 112 لسنة  1993 الصادر بتاريخ 22نوفمبر 1993 كما تدخل بموجب القانون عدد 113 لسنة 1993 المؤرخ في 22نوفمبر 1993  وأضاف فقرة جديدة للفصل 305 من م.إ.ج وفصل جديد وهو الفصل 307 مكرر فضلا عن نتيجة للفصل 313 من نفس المجلة(18).

غير أن كل هذه الجهود لم يرى المشرع من خلالها بأنها كافية لاستيعاب ظاهرة الإرهاب وارتأى سن قانون خاص لمجابهة الإرهاب رغم أن هذه الظاهرة في تلك الفترة لم تكن لها وقع كبير ورغم فشل ما سمي بالحرب على الإرهاب عالميا وظهور مؤشرات على مراجعة الحلول الأمنية لفائدة الحلول السياسية في التعامل مع هده القضية(19).

وفي هذا الإطار أصدر المشرع قانونا خاصا يعنى بمكافحة الإرهاب وهو القانون عدد 75 لسنة 2003 المؤرخ في 10 ديسمبر 2003 المتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب ومنع غسيل الأموال (20)  وقد تم تنقيحه وإتمامه بالقانون عدد65 لسنة 2009 مؤرخ في 12 أوت 2009(21) وكما يدل عنوانه فإن هذا القانون جاء استجابة إلى حملة دولية لمكافحة ظاهرة الإرهاب وليس تلبية لحاجة داخلية.

ولقد سن قانون 10 ديسمبر 2003 قواعد إجرائية جديدة في إطار الحملة الوقائية على الإرهاب مما جعل البعض يعتبر أن هذا القانون بمثابة مجلة قانونية جديدة لتعدد فصوله و شموله وخطورة الأهداف التي يهدف إليها(22).


 

وقد لخص الفصل الأول الإطار العام لهذا القانون حيث جاء فيه بأنه يضمن حق المجتمع في العيش في أمن وسلام بعيدا عن كل ما يهدد استقراره ونبذ كل أشكال الانحراف والعنف والتطرف والعنصرية والإرهاب التي تهدد أمن واستقرار المجتمعات. كما يدعم المجهود الدولي الرامي إلى مكافحة كل مظاهر الإرهاب والتصدي لمصادر تمويله ومنع غسل الأموال المتأتية من الجريمة  وذلك في إطار الاتفاقيات الدولية الثنائية المصادق عليها من قبل الجمهورية التونسية.

يعد هذا القانون بالقانون الاستثنائي لما احتواه من أحكام إجرائية تختلف عن تلك الإجراءات الجزائية العادية. فهو قانون يعبر عن حالة فزع تشريعي مقارنة بالأحكام الإجرائية العامة.

سعى من خلاله المشرع التونسي إلى تكريس نظام إجرائي منفصل عن المجلة الجزائية فالمتأمل لقانون 10 ديسمبر 2003 يلاحظ وأن المشرع التونسي قد جاء بقواعد إجرائية مستحدثة خص بها الجريمة الإرهابية فكان من الطبيعي أن يتميز هذا القانون بإجراءات استثنائية عند التتبع وهي قطعا مختلفة مع القواعد الواردة ضمن مجلة الإجراءات الجزائية وقد عرف المشرع التونسي صلب هذا القانون الجريمة الإرهابية في فصله الرابع بأنها توصف بإرهابية كل جريمة مهما كانت دوافعها لها علاقة بمشروع فردي أو جماعي من شأنه ترويع شخص أو مجموعة من الأشخاص أو بث الرعب بين السكان وذلك بقصد التأثير على سياسة الدولة وحملها على القيام بعمل أو على الامتناع عن القيام به أو الإخلال بالنظام العام أو السلم أو الأمن الدوليين أو النيل من الأشخاص أو الأملاك أو الإضرار بمقرات البعثات الدبلوماسية والقنصلية أو المنظمات الدولية أو إلحاق أضرار جسيمة بالبيئة بما يعرض حياة المتساكنين أو صحتهم للخطر أو الإضرار بالموارد الحيوية أو البنية الأساسية أو بوسائل النقل والاتصالات أو بالمنظومات المعلوماتية أو المرافق العمومية.

كما جاء باتفاقية التعاون العربي لمكافحة الإرهاب في مادتها الأولى بأنه تعد جريمة إرهابية متى تناولت الجريمة المساس أيا من رعايا الدول المتعاقدة أو بممتلكاتها (23).

الفصل الثاني: تميز الإرهاب عن بعض الخواطر الأخرى:

 تتعدد الظواهر القريبة من الإرهاب وقد يصعب تمييز بعضها عن بعض إلا أنه يمكن حصرها في ثلاث وهي تمييز الإرهاب عن الحرب (فرع أول) وتميزه عن حرب العصابات (فرع ثاني) وتميزه عن حركات التحرير (فرع ثالث).

*الفرع الأول :الإرهاب والحرب:

يختلف الإرهاب عن الحرب باعتبار أن الحرب هي ظاهرة جماعية تقتضي مواجهة مباشرة في حين أن الإرهاب هو نزاع سري يضرب ضربته بطريقة أحادية الجانب. كما تقتضي الحرب نزاعا مسلحا في حين الإرهابي هو الوحيد الذي يكون مسلحا أثناء قيامه بالعملية ولا تقتضي المواجهة بمعناها الحربي.

كما تتضمن الحرب خاصية قانونية وتنظيمية ذلك أن الحرب تحكمها قواعد مضبوطة في حين أن الإرهاب لا يتقيد بقواعد ثابتة لذلك اعتبرت الحرب عقدا قانونيا معترفا به كوسيلة كل الخلافات تعجز الوسائل السلمية عن حلها في حين أن الإرهاب هو عمل خارج عن القانون. لكن رغم الاختلاف فإنه لا يمكننا أن نذكر نوع من التقارب والتداخل بين الأعمال الإرهابية والحرب ذلك أن الأعمال الإرهابية يمكن أن تكون من الأدوات الفعالة في الحرب.

*الفرع الثاني :الإرهاب وحرب العصابات:

يعتبر البعض أن حرب العصابات هي نضال جماهيري وفي ذلك يمكن أن يتقارب هذا التعريف مع الإرهاب على مستوى مواجهة النظام القائم.

ففي كلتا الحالتين هناك أعمال تخريبية وتعتبر هذه الأعمال الوسيلة الثورية الشديدة الفعالية في حين أن الإرهاب هو وسيلة غير فعالة ونتائجه غير متوقعة.

*الفرع الثالث: الإرهاب وحركات التحرر:

إن ميثاق الأمم المتحدة يعترف بحق الشعوب في تقرير مصيرها ويترتب على ذلك الإعتراف بمشروعية الوسائل المعتمدة للوصول إلى هذا الحق ومنها المقاومة المسلحة. فلقد سعت الدول العربية إلى تفادي كل توظيف من شأنه الإساءة إلى المقاومة الشرعية حيث جاء في المادة  الثانية من الاتفاقية العربية و الكفاح المسلح بأنه لا تعد جريمة حالات الكفاح بمختلف الوسائل بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي و العدوان من أجل التحرر و تقرير المصير و هو كفاح تقوم به عناصر وطنية من غير أفراد القوات المسلحة النظامية دفاعا عن المصالح الوطنية أو القومية ضد مفهوم قوى أجنبية فهو عبارة عن مقاومة شعبية فلا يمكن أن يقف جيش  هذا الوطن في موقف حيادي وأن لا يقوم بواجبه والدفاع عن مصالح الوطن ومحاربة الدولة الدخيلة و بهذا يتسنى لنا التميز بين الإرهاب و المقاومة التي تعتمد بالأساس على الدافع الوطني و معيار الشرعية.

المبحث الثاني: الصور المختلفة للإرهاب:                                                                                                                            

لقد أثار المشروع التونسي صورة الجريمة الإرهابية المرتبطة أو التابعة إذ جاء بالفقرة الأولى من الفصل 52 مكرر من المجلة الجنائية" أنه يعاقب مرتكب الجريمة المتصف بالإرهابية بالعقاب المقرر للجريمة نفسها ".  وهذا الاختيار لم يكن  بصفة اعتباطية بل عن روية فبعدما لاحظ المشرع التونسي كثرة المآخذ و شدة الانتقادات التي وقع توجيهها لمفهوم الجريمة الإرهابية المستقلة تبني مفهوم الجريمة الإرهابية  التابعة أو المرتبطة . كما فرق المشرع التونسي بالفصل 52 مكرر من المجلة الجنائية بين صنفين من الجرائم الإرهابية خص الأولى منها بالفقرة الثانية و جاء فيه  " توصف بإرهابية   كل جريمة لها علاقة بمشروع فردي أو جماعي يستهدف النيل من الأشخاص أو الممتلكات لغرض  التخويف و الترويع" و يمكن تسمية هذا الصنف من الجرائم الإرهابية بالجريمة الإرهابية بطبيعتها التي ستناولها بالدرس في (فصل  أول).                                                                                                                                                       

أما الصنف الثاني فقد جاءت به الفقرة الثالثة من الفصل 52 مكرر م .ج حيث جاء فيها "تعامل معاملة الجرائم المتصفة بإرهابية أعمال التحريض على الكراهية أو التعصب العنصري أو الديني مهما كانت الوسائل المستعملة"حيث يمكن أن نطلق عليها "الجريمة الإرهابية بحكم القانون."                                                                                                                                و يعد هذا الصنف الأخير من الجرائم الإرهابية استحداثا من المشرع التونسي وهو سابقة على المستوى التشريعي لم تتفطن إليها التشريعات المقارنة إلا مؤخرا حين أحست بأن المفهوم التي  تقدمه للإرهاب ينقصه شيء ما . فانطلقت على إثر ذلك في حملات تشريعية لإضافة الجريمة الإرهابية بحكم القانون إلى نصوصها التشريعية .                                                                                                                   

وانطلاقا مما سبق بيانه وحتى يتسنى لنا الإلمام بمفهوم الإرهاب في القانون التونسي يحبذ أن يتناول في (فصل أول) لمفهوم الإرهاب بطبيعته لنخلص في (فصل ثان) إلى الجريمة الإرهابية بحكم القانون .                                                                          

الفصل الأول:الإرهاب بطبيعته:                                                                                                                   

لقد خص المشرع التونسي هذا الصنف من الجرائم بالفقرة الثانية من الفصل 52 مكرر و باعتبار أن مشرعنا قد تبنى مفهوم الإرهاب المرتبط والذي يفترض وجود جريمة منصوص عليها صلب القانون الجنائي ينضاف إلى ظروف خاصة من شأنها أن تكسب تلك الجريمة الصبغة الإرهابية ونعني بذلك الباعث على إقرار تلك الجريمة وهو ما أشار إليه المشرع التونسي بالفقرة الثانية إذ تناول مرحلة أولى من هاته الفقرة العنصر الموضوعي (الفرع الأول )وفي مرحلة ثانية إلى العنصر الشخصي (الفرع الثانية )


*الفرع الأول العنصر الموضوعي:

لقد جاء بالفقرة الثانية من الفصل 52 مكرر "توصف بإرهابية كل جريمة لها علاقة بمشروع فردي أو جماعي يستهدف النيل من الأشخاص أو الممتلكات"

إذ يتبين من خلال ذلك أن مشرعنا لم يقم بتعداد الجرائم التي من شأنها أن تشكل جريمة أم كما ذهب إلى ذلك المشرع الفرنسي إذ لاحظ ما تخلفه هاته الطريقة الحصرية من صعوبات ومشاكل قد تكون حائلا أمام ردع الأعمال الإرهابية التي هي في تطور مطرد. فالمشرع التونسي آثار النموذج القانوني للجريمة على الجنوح إلى تعداد الجرائم الأم فكل ما يشترطه أن يكون لهاته الجريمة علاقة بمشروع فردي أو جماعي يستهدف النيل من الأشخاص والممتلكات.

لنستخلص من ذلك وأن المشروع يشترط في الجريمة الأم أن تتوفر فيها خصائص المشرع وهو ذلك التخطيط المسبق والإعداد المحكم قبل القيام بالعمل الإجرامي و ترتيبا على ذلك فالمشرع التونسي يشترط لتوفر الجريمة الإرهابية إطارا خاصا وهو أن تكون في إطار مشروع فردي كان أو جماعيا أي أن يتوفر الوفاق والتخطيط والإعداد المسبق للعمل الإرهابي المزمع ارتكابه مما يجعل القاضي المتعهد  بالجريمة مجبرا على البحث في مدى توفر هذا المشروع فيبحث عن قدر أدنى من هذا التنظيم كتحديد الأهداف وتوزيع الأدوار وإعداد وسائل التنفيذ والفرار وبالتالي كان استعمال المشرع لعبارة مشروع مقصودا.

أما بالنسبة للجرائم التي تستهدف النيل من الأشخاص أو الممتلكات والتي لم يقم المشرع بتعدادها فهل قصد تلك الجرائم الواردة بالباب الأول والثاني من الجزء الثاني من المجلة الجنائية وهي الجرائم المنصوص عليها ومعلى عقابها بالفصول 201 إلى 309 م.ج  أم أن المقصود جميع الجرائم التي من شأنها النيل من الأشخاص أو الممتلكات.

إن المقصود من خلال عبارة الفصل جميع الجرائم التي لها علاقة بمشرع فردي أو جماعي تستهدف النيل من الأشخاص أو الممتلكات سواء وجد منها بالمجلة الجنائية أو بالنصوص المتفرقة.

*الفرع الثاني :العنصر الشخصي:

لا يكفي العنصر الموضوعي لوحده ليشكل جريمة إرهابية بل ينبغي أن ينضاف إليه العنصر الشخصي والمتمثل في الباعث على اقتراف الجريمة فقد جاء بالفقرة الثانية من الفصل 52 مكرر م.ج و "يستهدف النيل من الأشخاص أو الممتلكات لغرض التخويف والترويع " هذا الإرتباط بين الإرهاب والتخويف يؤكد الاعتقاد السائد بأن الإرهاب اقترن دوما بالترويع والتخويف (25).


وما يمكن ملاحظته هو أن المشرع لم يتولى تحديد خصائص التخويف والترويع ويبدو ذلك مقصودا والغاية من ترك المجال واسعا أمام القضاء لتأويل المصطلحين اعتبارا لظروف كل قضية واعتبارا للتطور السريع لهذا النوع من الجرائم لكن ما يعاب على هذا العنصر الشخصي هو أن هذا العنصر من شأنه أن يوسع في مدلول الجريمة الإرهابية كما أنه يصعب إثباته باعتباره نية يصعب استقراءها والتحقق منها هذا من جهة.

أما من جهة أخرى فهل يكفي أن يحدث الإرهابي حالة من الخوف والرعب لغض النظر عن الهدف من وراء ذلك لتتصف الجريمة بالعمل الإرهابي.

لقد اختلفت الآراء فمنها من يربط الخوف و الرعب  بخدمة هدف سياسي. ومنها من ينفي كل ارتباط باعتبار وأن الفصل 52 مكرر جاء عاما.

الفصل الثاني: الإرهاب بحكم القانون:

لقد جاء بالفقرة الثالثة من الفصل 52 مكرر م.ج "تعامل معاملة الجرائم المتصفة بالإرهابية أعمال التحريض على الكراهية والتعصب العنصري أو الديني مهما كانت الوسائل المستعملة"

تبدو الفقرة الثالثة واضحة لا تثير أي لبس باعتبار أن هاته الفقرة تعد جرائم إرهابية أعمال التحريض على الكراهية. غير أنه بالتمعن في هذه الفقرة يتبين لنا الأمر خلافا لذلك  فهاته الفقرة على درجة كبيرة من الغموض خاصة فيما يتعلق بمدى ارتباط جرائم الفقرة الثالثة بالمعيارين الموضوعي والشخصي المنصوص عليهما بالفقرة 2 من نفس الفصل.

إذ أن العبارة الواردة بهذا الفصل "تعامل معاملة الجرائم المتصفة بالإرهابية " تجعلنا نستنتج بأن الأمر لا يتعلق في الأصل بجريمة إرهابية بل أن المشروع هو الذي أصبغ عليها تلك الصفة بمعنى أن هاته الجرائم اكتسبت الصفة الإرهابية لا من خلال خصائصها الذاتية بل من خلال إرادة المشرع لذلك صنفت"بالجريمة الإرهابية بحكم القانون" وبالتالي تعد جرائم إرهابية وتطبق عليها النظام القانوني للجرائم الإرهابية بغض النظر عن توفر المعيارين الموضوعي والشخصي.

*الفرع الأول : العنصر الموضوعي:

إن اعتبار الجرائم الإرهابية بحكم القانون قائمة بغض النظر عن العنصر الموضوعي هو أمر مردود.

 فالمشرع آثر الجريمة الإرهابية التابعة سواء تعلق الأمر بالإرهاب بطبيعته أو بحكم القانون لذلك فإن توفر العنصر الموضوعي يعد أمرا ضروريا لقيام هاته الجريمة و يتأكد ذلك من خلال الأعمال التحضيرية للفصل 52 مكرر م.ج حيث وقع ربط جريمة التحريض بوجود جريمة أم.

 وكذلك من خلال هذه العقوبة المقررة والتي لا يمكن النزول بها إلى ما دون النصف إذ لم توجد جريمة أم. كذلك مسألة الكشف عن الجرائم العادية التي تشكل جرائم أم للجرائم الإرهابية بحكم القانون أمر يسير يكفي البحث فيها في مجالاتنا كالفصول 44 و48 و53 و54 من مجلة الصحافة (مسألة التحريض على التباغض والكراهية).

والفصلين 165 و166 م.ج "في التعرض لمباشرة الأمور الدينية حيث أنه أمام تنامي الحركة الإسلامية في تونس وجنوح أنصارها إلى استغلال منابر المساجد للدعوة إلى أفكارهم والحد من هاته الظاهرة تسنى دمج مثل هاته الأعمال تحت ضلال الفصل 52 مكرر.

من الملاحظ أن المشرع في الحقيقة لم يتولى حصر الجرائم الأم بل قام بحصر صور هذه الجرائم وجعلها ثلاثة وهي التعصب الديني والتحريض على الكراهية والتعصب العنصري. ويعني ذلك أنه وحتى تعد الجريمة العادية جريمة أم لجريمة إرهابية بحكم القانون يكفي أن تنضوي تحت إحدى هاته الصور الثلاث.

*الفرع الثاني: العنصر الشخصي:

لسائل أن يسأل هل أن الجرائم المنصوص عليها بالفقرة الثالثة هي بدورها ترتبط بغرض الترويع والتخويف أم أن هذه الجرائم تعد إرهابية بغض النظر عن توفر هذين العنصرين.

يبدو أن المشرع لم يربط أعمال التحريض على الكراهية والتعصب الديني والعنصري بغرض التخويف والترويع فهي جرائم لا تستمد خطورتها من خلال ما تخلفه من تخويف بل من خلال ما تنشره هذه الأفعال من أفكار.

كما أنه لم تقع الإشارة إلى جرائم هاته الفقرة وقع ربطها بغرض التخويف والترويع كما جاء بتقرير لجنة التشريع العام أن هذا المشروع لم يحدث جرائم جديدة وإنما أعطى الصفة الإرهابية لجرائم موجودة


الجزء الثاني: التصدي للإرهاب:


إن المجهود الذي تبذله كل دولة على حدة للتصدي للإرهاب لم يحقق النتائج المرجوة ويعود ذلك لأسباب ذاتية بكل دولة كعدم إيلائها لهاته المسألة الأهمية اللازمة أو تفطنها المتأخر لهذا الداء الذي يهدد استقرارها أو لأنها هي نفسها قد سيرت الأمر على الإرهابيين وهيأت لهم المجال لأنشطتهم أو كتعمد بعض الدول إيواء المنظمات الإرهابية وتقديم العون لهم.

فكان من الضروري تكثيف الجهود للتصدي لهذه الظاهرة الإجرامية واستئصالها لذلك اقتضى المجهود الداخلي أن يكون متناسقا مع المحاولات الدولية.

وذلك بإدخال تعديلات على العديد من التشريعات الداخلية حتى تكون متماشية مع التشريعات الدولية.

وقد اتسمت معظم التشاريع الدولية بالحزم والشدة إلى حد المساس بالحقوق الأساسية للأفراد.

فالمتأمل لقانون 10 ديسمبر 2003 وخاصة الفصل 3 منه قد يذهب في ظنه وأن المشرع التونسي قد حافظ على الإجراءات العادية للتتبع إلا أنه وخلافا لذلك فقد جاء قانون مكافحة الإرهاب بقواعد إجرائية مستحدثة خص بها الجريمة الإرهابية وشملت كافة مراحل التتبع.

فمن الطبيعي أن لا ننتظر من قانون استثنائي سوى إجراءات استثنائية بحيث يمر المتهم بسلسة من الإجراءات لذلك سوف نتطرق في (مبحث أول) إلى مسألة إفراد الإرهاب بإجراءات استثنائية وفي (مبحث ثاني) السياسة التشريعية المتوخاة وهي سياسة عقابية أساسها التشديد.

المبحث الأول: مسألة إفراد الإرهاب بإجراءات استثنائية:

أورد قانون مكافحة الإرهاب جملة من القواعد الإجرائية الإستثنائية وهي قطعا تتعارض مع القواعد الواردة ضمن م. إ.ج.

فلقد سن قانون 10 ديسمبر 2003 قواعد إجرائية جديدة في إطار الحملة الوقائية على الإرهاب مما جعل البعض يعتبر أن هذا القانون يكاد يكون مجلة قانونية جديدة لتعدد فصوله وليس من المبالغة إذا وصفنا هذا القانون بالإستثنائي لما احتواه من أحكام إجرائية تختلف في كثير منها عن الإجراءات الجزائية العادية.

هذا التوجه رمى من خلاله المشرع إلى تكريس نظام إجرائي منفصل عن المجلة الجزائية عاضد به المجهود الدولي في التصدي لهذه الظاهرة.

ويبدو من الطبيعي أن لا ننتظر نفس إجراءات التتبع لذلك وجب التوقف عند مسألة معاينة هذا النوع من الجرائم (الفصل الأول) لنتطرق (الفصل الثاني) إلى مسألة إثارة الدعوة العمومية وإلى المرحلة التحقيقية في (فصل ثالث).

الفصل الأول: مسألة معاينة الجرائم الإرهابية:

يخضع المشتبه بهم عند التتبع في الجرائم الإرهابية إلى قواعد إجرائية خاصة وتبرز هذه الخصوصية من خلال الأعوان المكلفين  بالتتبع (فقرة أولى) والمهام المكلفين بها (فقرة ثانية).

-الفقرة الأولى: الأعوان المكلفين  بالتتبع:

لقد أفرد المشرع التونسي في إطار تصديه لظاهرة الإرهاب في فصله 32 من قانون 10 ديسمبر 2003 مهمة معاينة هذا النوع من الجرائم لمأموري الضابطة العدلية التابعين لدائرة المحكمة الإبتدائية بتونس وبالتالي لمأموري الضابطة العدلية الخاضعين مباشرة لوكيل الجمهورية المحكمة الإبتدائية بتونس.

حيث أضاف تكييف جديد لهم واعتبارهم "أعوان الضابطة العدلية المؤهلون لمعاينة الجرائم الإرهابية"

بالتالي استوجب التصدي للإرهاب عنصر التأهيل لمعاينة تلك الجرائم فهم الأعوان المختصون والمؤهلون قانونيا وفنيا لممارسة أعمال البحث والإستقراء في القضايا التي تعد إرهابية.

-الفقرة الثانية: خصوصية المهام الموكولة لأعوان الضابطة العدلية:

لقد أسند المشرع التونسي لمأموري الضابطة العدلية المؤهلين لمعاينة الجرائم الإرهابية التابعين لدائرة  المحكمة الإبتدائية بتونس صلاحية مباشرة وظائفهم بكامل تراب الجمهورية دون التقيد بقواعد توزيع الإختصاص الترابي بخلاف الفصل 10م.إ.ج "كل في حدود منطقته".

فمعاينة الجرائم التي توصف بالإرهابية وإن كانت تتم بصفة مركزية إلا أن المشرع التونسي لم يقصي وكلاء الجمهورية لدى بقية المحاكم الابتدائية من البحث فلقد خول لهم معاينة الجرائم في حدود الاستثناء الذي أورده الفصل 35 من قانون 2003 وذلك للقيام بالأبحاث الأولية .

كما أوكل الفصل 33 من قانون الإرهاب مهمة إعلام وكيل الجمهورية الراجعين إليه بالنظر فور بلوغهم بجريمة إرهابية الذي بدوره يعلم بما وقع تبليغه به إلى وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس لتقرير مآلها.

وتجدر الملاحظة إلى أن هذا الاختصاص الحصري لمأموري الضابطة العدلية  بدائرة المحكمة الإبتدائية بتونس ولوكيل الجمهورية يثير بعض المخاوف باعتبار أنه فيه مساس بالحريات والحقوق الأساسية للمظنون فيه وبعض المآخذ الأخرى في حين أكد المدافعون على هذا  الاختصاص الحصري أن ذلك من شأنه أن يحدث تخصصا ويسهل التعامل مع الجرائم الإرهابية باعتبار أن مقترفيها عادة ما يكونون بالعاصمة فضلا عن وجود أغلب مصالح الشرطة العدلية ذات الاختصاص الشامل بالعاصمة.

الفصل الثاني: مسألة إثارة الدعوة العمومية:

-الفقرة الأولى: في الجرائم الواقعة داخل الإقليم التونسي:


فالملاحظ وأن هذه المهام تتصف بالمركزية باعتبار وأن وكيل الجمهورية للمحكمة الابتدائية بتونس وحده المختص والمسؤول الأول على إثارة الدعوى العمومية في مثل هاته القضايا ليتجاوز المشرع بذلك قاعدة الفصل 27 من م.إ.ج (1).

يعد هذا التجاوز بالأمر الطبيعي باعتبار وأن الجرائم الإرهابية هي اختصاص مطلق للمحكمة الابتدائية بتونس  طبق صريح نص 43 (2) من قانون الإرهاب ومن ثمة تتقدم النيابة العمومية للمحكمة الابتدائية بتونس في شخص وكيل الجمهورية حصريا بإثارة الدعوى العمومية.

ومن متعلقات إثارة الدعوى العمومية وعملا بأحكام الفصل 36 من قانون الإرهاب يجب على وكيل الجمهورية لدى المحكمة الإبتدائية بتونس أن يعلم فورا الوكيل العام لدى محكمة الإستئناف بما تمت معاينته من جرائم إرهابية و يطلب من قاضي التحقيق الذي بدائرته إجراء بحث.

-الفقرة الثانية: في الجرائم الواقعة خارج التراب التونسي:

لقد جاء بالفصل 55 من قانون 2003 بأن أعمالهم التونسية هي المختصة في الجرائم الإرهابية المرتكبة خارج تراب الجمهورية وقد عدد الصور الموجبة للتدخل.

وبناءا على ذلك تختص النيابة العمومية بإثارة الدعوى العمومية دون سواها حسب منطوق الفصل 57 من هذا القانون.

 ولا تتوقف إثارة الدعوى العمومية على الصور المنصوص عليها بالفصل 55 وإنما تتعداها لتشمل صورة الفصل 56 من نفس القانون.

يبين هذا التمشي أن المشرع وفي إطار التصدي للجريمة الإرهابية.فقد وسع من مفهوم السيادة حتى يتسنى له ملاحقة مقترفي الإرهاب العاملين خارج البلاد وهو ما يتماشى والإجماع الدولي على الوقاية والتصدي للإرهاب في وقت كانت فيه أغلب الدول قد تخلت عن التحفظ في التوسع إزاء الجرائم الإرهابية.

لكن في المقابل حافظ المشرع التونسي بموجب الفصل 58 من قانون الإرهاب على الإستثناءات الواردة صلب الفصول 305 و306 و307 مكرر من م.إ.ج إذ أثبتت اتصال القضاء أو في صورة صدور الحكم بالعقاب وقضائه أو سقوطه بمرور الزمن أو شمله عفو.

الفصل الثالث: المرحلة التحقيقية:

لقد تعرض المشرع التونسي لمؤسسة التحقيق صلب الفصول من 38 إلى 42 من قانون 2003 وأفردها ببعض الخصوصية ( الفرع الأول) كما بين الصلاحيات الجديدة لهذه المؤسسة (الفرع الثاني).

*الفرع الأول : خصوصية التحقيق:

لقد تعرض المشرع التونسي صلب قانون الإرهاب في قسمه التاسع إلى مؤسسة التحقيق و أكد على وجوبية التحقيق (فقرة أولى) وسريته في الجرائم الإرهابية (فقرة ثانية).



*الفقرة الأولى: وجوبية التحقيق:

لقد أقر المشرع التونسي صلب الفصل 38من قانون الإرهاب ديسمبر 2003مبدأ وجوبية التحقيق في الجرائم الإرهابية.

كما يتميز قضاة التحقيق هذا النوع من القضايا بتكونهم القانوني والمالي و الاقتصادي.

وهذه الخصوصية مردها أهمية و خطورة هذا النوع من الجرائم باعتبار أن الإرهاب هو ظاهرة تهدد أمن و استقرار المجتمعات لذلك كان من الضروري إفراد قضاة تحقيق مختصين في مثل هذا النوع من الجرائم لتشابك أحوالها و ظروفها وتعدد وسائل ارتكابها.

فبالرجوع إلى الفصل 36 من قانون الإرهاب يتضح وأن لقضاة التحقيق بالمحكمة الابتدائية بتونس الاختصاص المطلق للنظر في الجرائم الإرهابية.

كما يؤكد هذا الفصل بوجوب فتح تحقيق حالا.

*الفقرة الثانية : سرية التحقيق:

إن سرية التحقيق مرتبطة بمدى نزاهة القاضي وحياد تجاه المتهم لارتباط التحقيق تاريخيا بأساليب التعذيب لذلك فإن لهذه السرية مآخذ كثيرة باعتبار أنه ليست هناك رقابة على أعمال التحقيق إضافة إلى أن الفصل49 من قانون الإرهاب قد مكن قاضي التحقيق من صلاحيات واسعة حيث مكنه من تغيير المكان الذي يجرى فيه أعمال البحث في حالات الخطر الملم وذلك تطبيقا لآليات الحماية.                            

إن العبارات الفضفاضة التي جاء  بها الفصل 49 منحت سلطة تقديرية واسعة لقاضي التحقيق وهو ما يمثل خطرا كبيرا على حقوق الدفاع بالإضافة أنه لم يقم المشرع بتحديد الأماكن البديلة للتحقيق إذ ترك المجال مفتوحا لسلطة القاضي في حين أوجب عليه ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لضمان حق المتهم في الدفاع عن نفسه (3) كمسألة الإعلام بالإجراءات المتخذة ضده ويعتبر ذلك من الإجراءات التشكيلية الجوهرية.

وتجب الإشارة إلى أن لسرية التحقيق حدود باعتبار وأن الفصل 72 من م.إ.ج قد مكن المتهم من حضور محاميه عند استنطاقه من الإطلاع على إجراءات التحقيق قبل تاريخ كل استنطاق بيوم.

كما مكن وكيل الجمهورية من الإطلاع على سائر أوراق القضية محل التتبع مهما كانت أهميتها وسريتها وهو ما جاء به منطوق الفصل 55 من م.ا.ج في منح وكيل الجمهورية هذه الصلاحية كما مكنه الفصل 73 من نفس المجلة من إمكانية حضور عملية الاستنطاق.

وعملا بأحكام الفصل104 من م.إ.ج فإن قاضي التحقيق بعد انتهاء الأعمال في القضية يحيل المكلف على وكيل الجمهورية وترتيبا على ذلك فلا وجه لسرية التحقيق بالنسبة للنيابة العمومية في الجرائم الإرهابية 

-الفرع الثانى : في خصوص أعمال التحقيق :

نظرا لخصوصية الجريمة الإرهابية و القوانين المنطبقة عليها انضافت صلاحيات جديدة لقاضي التحقيق زيادة على مهامه التقليدية وتتمثل هذه الأخيرة في سماع الشهود (فرع أول) والحجز(فرع ثاني)

*الفقرة  الأول: سماع الشهود:

منح قانون الإرهاب لقاضي التحقيق صلاحية تلقي بينة الشهود فرادى دون الاستعانة بأي كتب في فصله 41/ 1 من قانون 2003. حيث حافظ هذا الفصل على نفس مقتضيات الفقرة الأولى من الفصل 65 م.ا.ج لكن من الملاحظ أن منطوق الفصل41/ 1 من قانون 2003 يكتنفه بعض الغموض بالنسبة لعبارة "دون الاستعانة بأي كتب" والتي قام وزير العدل و حقوق الإنسان برفع اللبس عنها ببيان وأن المقصود من هذه العبارة تلقي الشهادة بصفة تلقائية وهي تلك التي لم يقع الإعداد لها مسبقا كما جاء الفصل41/2 بتجديد حيث اشترط فيه المشرع رضا الشاهد لمكافحته بذي الشبهة أو بغيرهم من الشهود وبالتالي رضا الشاهد وجوبي لصحة الإجراءات وهو ما من شأنه أن يحد من صلاحيات قاضي التحقيق عند سماع الشهود.

ويعد هذا التجديد إجراء مخالفا للإجراءات العادية للتحقيق المنصوص عليها بالفصل 65/2 من م.ا.ج حيث جعل الخيار متاح لحاكم التحقيق في مكافحة الشاهد بالمتهم أو بالشاهد دون التوفق على رضاه.

من الملاحظ أن المشرع التونسي وجد تبريره في خطورة الجريمة الإرهابية. ولما ينجز من ورا ئها من مخاطر وضغوطات ذلك أن خصوصية سماع الشهود تتنزل في إطار التدابير الاستثنائية المتعلقة بتوفير حماية قانونية للشهود وهو ما أكده الفصل48 من قانون الإرهاب من ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الشاهد مما اصطلح على تسمية الشهود بالشهود المستترين.

كما تطرقت الإتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب المصادق عليها من البلاد التونسية كذلك إلى حماية الشاهد

حيث نصت على "كفالة سرية أقواله ومعلوماته التي يدلي بها أمام السلطات القضائية المختصة" .

لكن هذا الإفراط في حماية الشهود قد ينعكس سلبا على حقوق المتهم ويحرمه من إمكانية التجريح لأسباب عدة.

بالمقابل وبالنظر لطبيعة الجريمة الإرهابية فقد يمتنع الشاهد من مجابهة المتهم خوفا من تعرض حياته إلى مخاطر.

*الفقرة الثانية: الحجز:

لقد أوجب الفصل 39 من قانون الإرهاب "على قاضي التحقيق حجز الأسلحة و الذخيرة و المتفجرات و غيرها من المواد والمعدات والتجهيزات المماثلة والوثائق المعدة أو المستعملة لإرتكاب الجريمة الإرهابية أو لتسهيل ارتكابها وكذلك حجز الأشياء التي يشكل صنعها أو مسكها أو إستعمالها أو الإتجار فيها جريمة"

كما أضاف الفصل 40 من نفس القانون استثناء جديدا يخول لقاضي التحقيق من تلقاء نفسه أو بطلب من وكيل الجمهورية اتخاذ تدابير احتياطية في كل طور من أطوار القضية وذلك بوضع المكاسب المنقولة أو العقارية أو الأرصدة المالية الراجعة لذي الشبهة تحت قيد الحجز وترتيبا على ذلك منح المشرع سلطة مطلقة لقاضي التحقيق في اتخاذ هذا الإجراء من عدمه.

هذا الإجراء الاستثنائي يجد بتبريره في خطورة الجريمة الإرهابية ومدى تأثير وقعها على المجتمع. واعتماده يعد من بين التدابير الوقائية  اللا زمة لمنع ومكافحة كل استخدام لمتحصلات الجريمة الإرهابية إذ من الملاحظ وأن النصوص المتعلقة بعملية الحجز قد ركزت بصورة مطلقة على حجز كل ما استعمل أو أعد للاستعمال في الجريمة أو في تسهيلها.


المبحث الثاني :السياسة العقابية المتوخاة :

للتصدي للأعمال التخريبية و الإرهابية يفترض أن تكون العقوبات وآليات التصدي مناسبة وملائمة لهذا النوع من الجرائم.

فخطورة الجريمة الإرهابية تقتضي إقرار عقوبات شديدة وذلك لردع الجناة والضرب على أيديهم لتجنب العود وثنى البعض الآخر على القيام بأعمال إرهابية.  لذلك فإن المشرع التونسي سعى إلى إنتهاج  سياسة عقابية زجرية (الفصل الأول) حيث شدد في العقوبات كما توخى إستراتيجية جد فعالة لمكافحة الإرهاب وغسل الأموال (الفصل الثاني).

الفصل الأول:السياسة العقابية الزجرية :

تمتاز السياسة العقابية بالشدة و الصرامة وهو ما سنتعرض إليه لاحقا.

*الفرع الأول: التشديد في العقوبات:

 لقد واجه المشرع التونسي كغيره من المشرعين الجريمة الإرهابية بنوع من الشدة والتي يمكن أن نتبين معاليمها صلب قانون الإرهاب في قسميه الأول والثاني.

-الفقرة الأولى :الترفيع في الحد الأدنى للعقاب:

نظرا و أنه تحف بكل جريمة ظروف خاصة تكون سببا في الترفيع في العقوبة أو التخفيف منها لذلك وجب تلاؤم العقوبة المحكوم بها مع الجرم المقترف .

وقد انتهج المشرع التونسي توجه عدم النزول بالعقاب إلى ما دونه صلب الفقرة الأولى من الفصل 52 مكرر من م.ج والذي جاء فيه "يعاقب مرتكب الجريمة المتصفة بالإرهابية بالعقاب المقرر للجريمة نفسها لا يمكن النزول به إلى ما دون النصف " كما ورد بالفصل 29/2من قانون 2003 نفس التوجه حيث جاء بأنه "لا يمكن للمحكمة النزول بالعقاب إلى ما دون النصف بعد اعتبار التضعيف "

لنستدل من خلال كل ذلك بأن السياسة العقابية المنتهجة من قبل المشرع التونسي هي سياسة عقابية مزدوجة أساسها التشديد في العقاب مع إظهار بعض التخفيف.

الفقرة ثانية: منع ضم العقوبات:

إن رغبة المشرع التونسي في التشديد في معاقبة المجرم الإرهابي لم يكتفي بالترفيع من الحد الأدنى بالعقاب بل خص الجريمة الإرهابية بإجراء آخر وهو منع ضم العقوبات لبعضها فقد ورد بالفقرة الرابعة من الفصل 52 مكرر م.ج "لا يمكن ضم العقوبات لبعضها "

كما جاء بالفصل 31 من قانون الإرهاب بأنه "إذ ارتكب الجاني عدة جرائم متباينة يعاقب لأجل كل واحدة بانفرادها وفي كل الحالات لا تضم العقوبات لبعضها.

وحتى يتسنى لنا إدراك التشديد يحسن بنا وضعه في إطاره القانوني الصحيح وهو توارد الجرائم وتعددها كصورة الفعل الواحد الذي تتكون منه عدة جرائم أو صورة تعدد الجرائم ولكن القصد واحد  لنتبين وأن منع ضم العقوبات هو من أسباب تشديد العقوبة. 

-الفقرة ثالثة: العقوبات التكميلية :

تذهب جل المذاهب الفقهية وخاصة منها المتأثرة بالمدرسة الوضعية إلى أن العقوبة بمعناها الضيق لا تكفي للتصدي لظاهرة الإجرام بل لا بد من وضع تدابير من شأنها أن تحول دون ارتكاب المجرم مجددا لإحدى الجرائم و للغرض كرست التشاريع المقارنة عقوبات تكميلية  يحكم بها إلى جانب العقوبات الأصلية (4) وهو النهج الذي انتهجه المشرع التونسي صلب الفصل 5 من المجلة الجنائية حين عدد مختلف هاته العقوبات التكميلية.

كما نص على عقوبة وجوبية وهي المراقبة الإدارية حيث جاء بالفصل 52 مكرر "وتحتم المراقبة الإدارية لمدة خمسة سنوات وتتمثل المراقبة الإدارية في إعطاء الإدارة حق تعيين مكان إقامة المحكوم عليه عند انقضاء مدة عقابه والحق في تغييرها إذا رأت مصلحة في ذلك ولا يجوز للمحكوم عليه مبارحة المكان دون رخصة (5).

كما تعرض الفصل 25 إلى مثل هذه العقوبات حيث جاء فيه بأنه" يتحتم الحكم بالمراقبة الإدارية على مرتكبي الجرائم الإرهابية مدة لا تقل عن خمسة أعوام ولا تفوق عشرة أعوام ولا يمنع ذلك من الحكم بكل أو بعض العقوبات التكميلية الأخرى المقررة قانونا"  

لكن تجب الإشارة إلى أن التنصيص على عقوبة المراقبة الإدارية باعتبارها عقوبة تكميلية وجوبية  للجريمة الإرهابية لم تسلم من المؤاخذة.


الفصل الثاني: الإستراتيجية المتوخاة في الإرهاب ومنع غسل الأموال:

لم يغفل المشرع التونسي عن وضع إستراتيجية وطنية تنصهر ضمن الإستراتيجيات الدولية العاملة في نفس الإطار حيث أكد على ضرورة تفعيل دور البنوك في التصدي لغسل الأموال كما ضبط الواجبات المحمولة على البنوك بما في ذلك المبادئ الأساسية للرقابة المصرفية الفعالة  والمبادئ الأساسية  للتعرف على العملاء.

فكان لا بد من توزيع دور البنوك في التصدي لغسل الأموال على جميع المراحل التي قد تمر بها هذه العملية وكذلك على امتداد العلاقة التعاقدية الرابطة بين العميل والبنك ليكون البنك بذلك مطالبا بتطبيق واجبات الحذر العام (فرع أول) وواجبات الحذر الخاصة (فرع ثاني) وواجب التصريح عن العمليات المسترابة (فرع ثالث)

*الفرع الأول: واجبات الحذر العامة :

إن الحذر واجب محمول على البنوك ويعد أساسا العمل المصرفي من خلال سياسة التصدي لغسل الأموال لذلك وقع اعتماد قواعد إجرائية لمنع العمليات المالية المسترابة (فقرة أولى) والقواعد المحاسبية (فقرة ثانية).

-فقرة أولى: منع العمليات المالية المسترابة:

ويعني ذلك أن البنك مطالب بإبعاد الأموال الغير مشروعة عن مصادرو يشترط أن يكون عالما بمصادرها اللامشروعة. فوجب من ثمة توفر كل الإجراءات والآليات الممكنة لمنع هذه العمليات المالية المسترابة وقد أوجبت التوجيهات الصادرة عن اللجنة التونسية للتحاليل المالية في 20 أفريل 2006 ضمن الفصل 11 وضع نظام لترصد العمليات المسترابة وذلك باعتماد منظومة إجرائية كتابية لها طابع توجيهي بم أنها تتخذ شكل توصيات.

إذ يتعين على البنك وضع نظم داخلية مناسبة وضوابط رقابية بما تشتمل على السياسات والإجراءات الواجب توفرها للتصدي ومكافحة عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كذلك بإنشاء وحدة داخلية للتصدي لغسل الأموال مهمتها دراسة وتحليل التصاريح التي يقوم بها موظفو البنك حول العمليات المسترابة وغير الاعتيادية وإحالتها على الوحدة حتى تقرر مآلها بين التصاريح و الإحجام عنه لعدم وجود شبهة حقيقية على غسل الأموال وبالتالي فإن البنوك وفي نطاق سعيها الدؤوب والمستمر في مقاومة غسل الأموال فهي مطالبة باعتماد قواعد صارمة للتصرف الحذر وكذلك اعتماد قواعد محاسبية تضمن لها حسن المتابعة.

- فقرة ثانية: اعتماد قواعد محاسبية وقواعد التصرف الحذر:

إن البك ملزم بإتباع قواعد التصرف الحذر (أ) كما أنه مطالب باحترام القواعد المحاسبية دنيا (ب).


أ: اعتماد قواعد التصرف الحذر:

والمقصود به هو الالتزام باليقظة وتعد اليقظة من القاعد الأساسية للعمل المصرفي التي أوجبتها ضرورة التصدي لغسل ومنع استعمال النظم المصرفية لغايات إجرامية ولقد تعرض المشرع التونسي صلب قانون الإرهاب في فصوله 69 و70 و71 إلى التزام الذوات المعنوية بصورة عامة بجملة من الواجبات لتفادي استعمال أنشطتها كغطاء لغسل الأموال المتأتية من جرائم. فقواعد التصرف الحذر من أهم الواجبات الموكولة للبنك. ذلك أن البنك يبذل جهده في اعتماد إجراءات تحتوي على قواعد دقيقة وصارمة للشفافية المحاسبية والمالية. فلقد أورد المشرع التونسي صلب الفصل 69 من قانون 10 ديسمبر 2003 قائما من الالتزامات المحمولة على المؤسسات البنكية تتمثل في الامتناع عن قبول أي مساعدات مالية مجهولة المصدر أو تبرعات أو تحويلات بنكية أو الأموال المتأتية من الخارج والتي يحول القانون التونسي دون  قبولها.

إنه بتعداد مجموعة المعاملات التي  يجب على البنك الامتناع عنها يراد من خلالها عدم توريط البنك في مثل هذه المعاملات المسترابة وحتى لا يكون مساهما ومشاركا في جريمة غسل الأموال.

فالمراد من الفصل 68 من قانون ديسمبر 2003 هو التحذير و التنبيه من تورط "الذوات المعنوية" في مثل هذه العمليات المشبوهة.

لذلك وجب التقيد بقواعد التصرف الحذر درءا لكل الشبهات ونفيا لكل تورط في هذه العمليات الإجرامية.

من ناحية أخرى فقد فرض الفصل 69/5 من قانون ديسمبر 2003 على الذوات المعنوية عدم الأموال المتأتية من الخارج إلا بواسطة وسيط مقبول بالبلاد التونسية خوفا  من أن تكون هذه الأموال متأتية من جريمة والتي يسعى صاحبها دمجها في الدورة الاقتصادية للبلاد التونسية.

ولقد تعرض المشرع التونسي لمفهوم الوسيط صلب مجلة الصرف والتجارة الخارجية في فصلها الثالث.

ولقد خص الفصل 69 من قانون 2003 في ما يتعلق بالتحويلات والتبرعات التي تتجاوز السقف المحدد قانونا بضرورة الحصول على ترخيص مسبق تجنبا لكل شبهة فلقد حرص المشرع التونسي صلب الفصل 72 من قانون ديسمبر2003 درءا لكل شبهة إلى إخضاع الذوات المعنوية التي يشتبه في ارتباطها بأشخاص وتنظيمات أو بمسك حساباتها إلى ترخيص مسبق فيما يتعلق بقبول أي تحويلات مادية واردة عليه من الخارج. هذا الإجراء الوقائي قد يساهم في القضاء و منع المسالك الغير مشروعة.

بالتالي يعد الالتزام بقواعد التصرف الحذر بمثابة الحماية القانونية للذوات المعنوية.

ب:اعتماد القواعد المحاسبية دنيا:

لقد عدد المشرع التونسي صلب الفصل 70 من قانون 2003 جملة القواعد المحاسبية وتتمثل في:

- مسك الحسابات بدفتر يومي يتضمن جميع المقابيض والمصاريف.

- مسك قائمة المقابيض والتحويلات التي لها علاقة بالخارج تتضمن بيانا في المبالغ المتصلة بها و موجبها وتاريخها مع التعريف بالشخص الطبيعي أو المعنوي المعني بها وينهي نظير منها مصالح البنك المركزي التونسي.

- إعداد موازنة سنوي

- الإحتفاظ بالدفاتر والوثائق المحاسبية سواء كانت محمولة على حامل مادي أو الكتروني مدة لا تقل عن عشرة أعوام بتاريخ انهاء العمل بها.

تمثل هذه القواعد الحد الأدنى الذي لا يمكن التخلي عنه(6). وبالتالي فإن اعتماد القواعد المحاسبية يضمن على الأقل صحة المعلومات ودقتها.


* الفرع الثالث :واجبات الحذر الخاصة:

لتفادي تورط الذوات المعنوية في عملية غسل الأموال ومنع المسالك المالية المسترابة تعين اعتماد واجبات حذر إضافية كالتعرف على هوية الحرفاء (فقرةأولى) والاحتفاظ بالوثائق والسجلات الخاصة بالعملاء (فقرة ثانية).

-الفقرة الأولى: التعرف على هوية الحرفاء:

من أوكد واجبات الحذر المحمولة على البنك التحقق من هوية الحريف كمبدأ عام (أ) مع مراعاة بعض الإستثناءات في التحقق من هوية الحرفاء (ب).

أ:التحقق من هوية الحريف كمبدأ عام :

يعد هذا المبدأ من صميم الإجراءات الثابتة والأساسية التي يتولاها البنك وعلى أساسها تنشأ العلاقة التعاقدية بينه وبين الحريف.

وتجد هذه القاعدة أصلها في التوصيات الأربعين التي أكدت على ضرورة ألا يسمح للمؤسسات المالية بالإحتفاظ بحسابات مجهولة أو حسابات أسماء وهمية.

فبالنسبة للقانون التونسي فقد نص الفصل الثاني من توصيات اللجنة التونسية للتحاليل المالية المؤرخة في أفريل2006 على أنه"يجب على مؤسسات القرض والبنوك غير المقيمة والديوان الوطني للبريد عند نشأة العلاقة التحقق من الهوية الكاملة للحريف ونشاطه وعنوانه والاسترشاد حول موضوع علاقة العمل المرتقبة وطبيعتها".

إن التحقق من هوية الحريف للشخص الطبيعي لا يثير إشكالا مثلما هو الحال بالنسبة للتثبت من الأشخاص المعنويين حيث كان الأمر أكثر تعقيدا لذلك استوجب الأمر اتخاذ تدابير معينة كتقديم العقد التأسيسي

 6 الفصل 71 من قانون ديسمبر 2003.

للشركة أو الشخص المعنوي لإثبات الشكل القانوني للذات المعنوية ومقرها الإجتماعي وهوية مسيريها وممن لهم صفة الإلتزام في حقها.

وترتيبا على ذلك يجب على البنك الإعتماد على وثائق رسمية لها قوة ثبوتية مطلقة ودور البنك أخذ هذه المعطيات الواردة بها دون لزوما لتأكد من صحتها وشرعيتها.

هذا الإجراء يحمي البنك من أي مساءلة في حال وجود عملية غسل للأموال.

ب: التحقق من هوية الحريف كمبدأ خاص :

يفترض القانون التونسي التبسيط أوالإعفاء من هذا الواجب في بعض الحالات كما يفترض التشديد في أخرى.

وتعتبر حالة الإعفاء حالة خاصة جدا ولا يجب التوسع فيها وقد تعرضت اللجنة التونسية للتحاليل لهذه الحالات الخاصة واعتبرت وأن التحقق من هوية هذا النوع من الحرفاء يكون سابقا على تقدم الحريف إلى البنك. وتأسيسا على ذلك هناك ظروف قد تكون فيها مخاطر غسل الأموال منخفضة باعتبار وأن المعطيات والمعلومات عن الحريف متوفرة مسبقا ومتاحة كليا.

وللبنك تقدير الإجراءات الواجب إتباعها سواء كانت مبسطة أو مشددة حسب الظروف الحافة لكل وضعية. إذ أنه هناك عمليات تستوجب التدقيق والتمحيص والتثبت من هوية الحريف واعتماد إجراءات خاصة تكون أكثر دقة وعمق للتأكد من أنه لا يوجد من يحاول التخفي وراء هذه الشخصية المعنوية واستعمالها كغطاء ليفتح حسابات سرية.

لذلك على التشريع التونسي أن يضع التزاما صريحا باليقظة المشددة بالنسبة لبعض العمليات كتلك الحسابات المفتوحة عن بعد والتي فرضت نوعا معينا من الخدمات وأوجدت صورا جديدة للجريمة والتي أصبحت تعرف بالجريمة الإلكترونية مما يتوجب معه أخذ أكبر قدر من الحذر.

-الفقرة الثانية: الاحتفاظ بالوثائق:

في إطار مقاومة جريمة غسل الأموال كان من الضروري الاحتفاظ بالوثائق والمجلات الخاصة بالحرفاء سواء كانوا أشخاصا طبيعيين أو معنويين. يجب على البنك حفظ كافة المستندات المتعلقة بالهوية والأوضاع القانونية والعمليات المالية فهي ملزمة بالاحتفاظ بجميع الوثائق المتعلقة بحرفائها و نسخ احتياطية.

ذلك أن الطبيعة الخاصة لجريمة غسل الأموال تحتم واجب الاحتفاظ بالوثائق لإمكانية التتبع وربط حلقات هذه السلسلة حتى تتوصل إلى المصدر الأصلي لهذه الأموال.

وعلى هذا الأساس وجب الاحتفاظ بالوثائق الخاصة بالحريف لمدة لا تقل عن عشرة أعوام بداية من تاريخ جمع المعلومات والوثائق التي اعتمدتها في تقرير مآل التصاريح الواردة وهو ما أكده الفصل 83 من قانون 2003 والذي نقح بمقتضى القانون عدد 65 لسنة 2009 المؤرخ في 12 أوت 2009.

وكذلك الفصل 17 من توجيهات اللجنة التونسية للتحاليل المالية أكد على أن مدة الاحتفاظ بملف الحريف والوثائق المتعلقة بهويته مدة لا تقل عن عشرة أعوام من تاريخ ربط العلاقة. المدة التي تصبح بعدها هذه الوثائق غير ذات قيمة من الناحية القانونية.

إن الغاية من اعتماد هذه المدة الطويلة يرمى المشرع من ورائها رصد العمليات المشبوهة وكشفها.

ليكون هذا الإجراء تدبيرا وقائيا احترازيا يمكن من خلاله التصدي والكشف عن كل عملية مسترابة تحدث خلال العلاقة التعاقدية بين البنك وحريفه وبالتالي يلزم البنك أن يقوم بالتصريح عن العمليات المسترابة والغير اعتيادية.

الفرع الثالث: واجب التصريح بالعمليات المسترابة:

كإجراء وقائيا يساهم في التصدي لجريمة غسل الأموال أوجب المشرع التونسي واجب التصريح عن العمليات المسترابة للجان المختصة بقيام هذه الشبهة. وذلك صلب قانون 2003 فصل 85 (جديد) والذي جاء فيه أنه "على الأشخاص المذكورين بالفصل 74 من هذا القانون القيام حالا بتصريح كتابي إلى اللجنة التونسية للتحاليل المالية بجميع العمليات أو المعاملات المسترابة التي تحمل على قيام شبهة في ارتباطها بصفة مباشرة أو غير مباشرة بأموال متأتية من أعمال غير مشروعة ويعتبرها القانون جنحة أو جناية  أو بتمويل أشخاص أو تنظيمات أو أنشطة لها علاقة بالجرائم الإرهابية وكذلك بكل محاولة لإجراء هذه العمليات أو المعاملات ويجري واجب التصريح أيضا ولو بعد إنجاز العملية أو المعاملة إذ توفرت معلومات جديدة تحمل على قيام الشبهة في ارتباطها بصفة مباشرة  أو غير مباشرة بأموال متأتية من أعمال غير مباشرة بأموال متأتية من أعمال غير مشروعة ويعتبرها القانون جنحة أو جناية  أو بتمويل أشخاص أو تنظيمات أو أنشطة لها علاقة بالجرائم الإرهابية كذلك بكل محاولة لإجراء هذه العمليات أو المعاملات"(7).

و لتحديد مظاهر هذا الالتزام المحمول على المؤسسات المالية يتعين في مرحلة أولى بيان شروط القيام بالتصريح (فقرة أولى) والجهة المختصة بتلقي التصريح (فقرة ثانية) لنتخلص في (فقرة ثالثة) إلى ما يترتب عن التصريح.

-الفقرة الأولى :شروط القيام بالتصريح:

يجب التحقق من توفر شروط معينة لإمكانية القيام بالتصريح إذ أوجب المشرع التونسي واجب التصريح على المؤسسات المالية حالا عن كل المعاملات والعمليات المسترابة دون أن يعطي مفهوما واضحا لما يسمى بالعمليات المسترابة.

وعلى هذا الأساس وجب الرجوع إلى القانون الدولي المنظم لظاهرة غسل الأموال وخاصة إلى التوصيات




7 الفصل 85 (جديد) نقح بمقتضى القانون عدد 65 لسنة 2009 المؤرخ في 12 أوت 2009.

الأربعين حيث جاء بالتوصية 14 أنه" يجب على المؤسسات المالية  أن تولي عناية خاصة لكل العمليات المركبة والغير العادية والكبيرة وكل الانماط غير المعتادة بالعمليات التجارية التي لا يكون غرض اقتصادي واضح أو قانوني بين...وعندما تشك المؤسسات المالية في أن الأموال مصدرها إجرامي".

بالتالي فإن العمليات المسترابة هي كل العمليات المالية المركبة أوالغير العادية أوالكبيرة وغير المعتادة.

- كما تدارك المشرع التونسي هذا النقص وذلك في إطار توجيهات اللجنة التونسية للتحاليل المالية الصادرة في 20 أفريل 2006 وبالتحديد صلب الفصل 15 الذي نص على أنه" يقصد بالعملية أو المعاملة المسترابة خاصة :

-العملية أو المعاملة التي لا تبدو مرتبطة بطبيعة نشاط الحريف.

-العملية التي لم يتم الإدلاء بشأنها بوثائق أو بمعلومات تبين الغرض منها.

-العملية أو المعاملة التي ليس لها مبرر اقتصادي أو مشروع ظاهر ويقصد بالعملية أو المعاملة غير الاعتيادية خاصة:

-العملية التي تكتسي طابعا متسعا.

- العملية أو المعاملة التي تتعلق بمبلغ مالي مرتفع بشكل غير عادي."

يبدو أن اتخاذ تدابير العناية الواجبة والتحقق من كل المعطيات الخاصة هي التي تمكن من ضبط طبيعة النشاط والمعاملة المالية وتبين بالتالي مدى وجود شبهة من عدمها.

كما نتبين وأن لجنة التحاليل المالية قد حددت محتوى التصريح بوضعها أنموذجين منها ما يخص الشخص الطبيعي ومنها ما يخص الشخص المعنوي ولا يختلف هاذين الأنموذجين باعتبار وأن التصريح يرتكز على نتائج العملية والموثقة للعملية وهي التحقق من الهوية ومن ملابسات المعاملة.

وتبعا لذلك أحدث المشرع هيئة مختصة صلب البنك المركزي التونسي تعنى بتلقي التصريح وتحليلها والإعلام بها وذلك بموجب قانون 2003 من خلال الفصل 78 والذي جاء فيه بأنه " أحدثت لدى البنك المركزي التونسي لجنة تسمى اللجنة التونسية للتحاليل المالية" تعقد جلساتها بمقر البنك المركزي التونسي الذي يتولى كتابة اللجنة" فضبط تركيبها ومهامها الفصول 79 (جديد) و80 (جديد) من القانون عدد 65 لسنة 2009.

فنلاحظ من خلال ذلك وأن المشرع اعتمد تركيبة مختلفة نظرا للطبيعة الخاصة بالجريمة والتي تفترض تدخل عديد الجهات حتى تتحقق النجاعة المرجوة كما تميز دورها بدور توجيهي يتمثل في التتبع وإجراء الأبحاث وتبادل المعطيات والمعلومات المالية مع نظيراتها بالبلدان الأجنبية في إطار التعاقب الدولي مع الإلتزام بالسر المهني وعدم إفشائه وهو ما من شأنه التصدي مسبقا لجريمة ممكن تفاد

-الفقرة الثانية :تبعات التصريح:

تنتهي أعمال اللجنة بتحديد تبعات التصريح والتي على إثره تقرر إما إتخاذ إجراءات وقتية (أ) أو البحث في مآل الأموال موضوع التصريح (ب).

أ: اتخاذ إجراءات وقتية:

وتتمثل  هذه الإجراءات في التجميد الوقتي للأموال والإلتزام بعدم إعلام الحريف.

إذ ينص الفصل 86 من قانون ديسمبر 2003 أنه "يترتب عن التصريح بالعمليات والمعاملات المسترابة أو غير الإعتيادية قانونا تعليق إنجاز العمليات أو المعاملات موضوع التصريح حالا بصفة مؤقتة دون التوقف على صدور إذن في ذلك".

كما أضاف الفصل 87 من نفس القانون أنه "يمكن للجنة التحاليل المالية الإذن مؤقتا للمصرح بتجميد الأموال موضوع التصريح وضعها بحساب انتظاري".

كذلك وفي نفس السياق فقد نص الفصل 16 من توجيهات اللجنة التونسية للتحاليل المالية الصادرة في 20 أفريل 2006 أنه "إذا أفضى الفحص إلى قيام شبهة بشأن عملية أو المعاملة يجب على مؤسسات القرض والبنوك غير المقيمة والديوان الوطني للبريد حالا:

-تعليق إنجاز العملية أو المعاملة بصفة مؤقتة.

-التصريح بها إلى اللجنة التونسية للتحاليل المالية وفقا للنموذج المحدد بقرار اللجنة عدد1 لسنة 2006 المؤرخ في 20 أفريل 2006.

-تجميد الأموال موضوع التصريح وإيداعها بحساب إنتظاري إذا أذنت اللجنة التونسية للتحاليل المالية بذلك...".

يمكن استنتاج من خلال هذه النصوص تواجد نظامين الأول يترتب عنه تجميد الأموال موضوع العملية المصرح بها مؤقتا بمقتضى إذن من لجنة التحاليل المالية والثاني الإذن بالتجميد عن رئيس المحكمة الإبتدائية بتونس وذلك بناءا على طلب من الوكيل العام لدى محكمة الإستئناف بتونس.

وحيث تبين وأن أحكام قانون 2003 لا تستجيب لمقتضيات المقررات الأممية التي تلزم بتسليط التجميد دون رابط بأي شبهة وبدون تحديد مدته.

لذلك وفي إطار تعزيز قواعد مكافحة غسل الأموال ولمزيد تفعيل دعم المجهود الوطني والدولي في هذا المجال صدر قانون 2009 والمتعلق بتفتح وإتمام بعض أحكام قانون 2003.


 كما أوجب قانون 2003 في فصله 87 عدم إعلام الحريف بما اتخذه البنك من إجراءات ضده. وهذا المنع يعد معقولا ذلك أن الغاية منه هو منع الحريف من التنصل من جرمه سواء بمحاولة المراوغة لإثبات مشروعية الأموال أو بالفرار إلى حيث لا تطاله المسألة القانونية.

المصدر: موقع الذخيرة القانونية


شارك المقالة عبر:

اترك تعليقا: