-->

كوفيد 19 و مرض الموت: بين الفقه الاسلامي و القانون التونسي - سوفاس نيوز

تشوّف الفقه الاسلامي والقانون التونسي إلى ضرورة توفير آليات الحماية اللازمة لحقوق المريض مرض الموت ولورثته ولدائنيه إن وجدوا، باعتبار أن مرض الموت هو حالة خوف قد تنذر بحادثة الموت التي تنتهي بها الشخصية والأهلية، فتترتّب عليها أحكام جديدة تتعلق أساسا بالإرث وحلول الدَين إن كان له دين متعلق بذمته، وعليه تصبح تركته كالمرهونة شرعا بالديون.
فمرض الموت هو مقدمة إنذارية لنتيجتين حقوقيتين، فهو مقدمة لزوال شخصية المريض وانسلاخ أهليته وملكيته من جهة، ومقدمة لثبوت الحقوق العينية في أموال المريض لمن ستنقل إليهم هذه الأموال بعد موته من دائنين أو ورثة من جهة أخرى .
هذا ما يجعل مرض الموت بدء ذلك الزوال وهذا الثبوت معا صيانة للحقوق التي أثبتها الشرع في التركة لهاتين الزمرتين (الدائنين والورثة). وينشأ عن ذلك أن الديون تصبح متعلقة بمال المريض وذمته جميعا، بعد أن كانت متعلقة قبل المرض بذمته فقط وذلك لعجزه عن السعي والاكتساب فتضعف ذمته فيضم إليها ماله توثيقا().
من هذا المنطلق أثير تساؤل حول امكانية اعتبار المصاب بفيروس كورونا المستجد مريضا مرض موت و عليه هل تنطبق عليه أحكامه الواردة في المدونة الفقهية الاسلامية والقانونية التونسية؟
قبل الاجابة عن هذه الاشكالية يتعين علينا تعريف فيروس كورونا (كوفيد 19) فما المقصود به؟
عرّف الدليل الارشادي للوقاية من فيروس كورونا الصادر عن منظمة الصحة العالمية فيروس (كوفيد 19) أو كورونا بكونه فيروسا مستحدثا يصيب الانسان و الحيوان على حد سواء، وتكمن خطورته في أنه يصيب الجهاز التنفسي للانسان مع عدم معرفة علاج نهائي له. وتتمثل أعراضه في الحمى و السعال الجاف وضيق في التنفس. وقد يعاني بعض المرضى من الآلام والأوجاع أو احتقان الأنف أو الرشح أو ألم الحلق أو الاسهال. وعادة ما تكون هذه الأعراض خفيفة وتبدأ تدريجيا. ويصاب بعض الناس بالعدوى دون أن تظهر عليهم أي أعراض و دون أن يشعروا بالمرض. ففي الأيام الثلاثة الأولى تبدأ أعراض خفيفة تشبه الأنفلونزا. بعد ذلك يبدأ الشعور بألم الحلق ويزداد يوما بعد يوم يصاحبه سعال جاف وارتفاع في درجة حرارة الجسم أعلى من 37 درجة مئوية. يصاب ذوو المناعة الضعيفة باضطرابات هضمية وربما اسهال وقيئ. وتظهر مع مرور الأيام ألام المفاصل بشكل عام و استمرارية في ارتفاع درجة حرارة الجسم. إلا أن خطورة هذا الفيروس تكمن في امكانية حدوث التهاب رئوي مما يؤدي إلى قصور في وظائف أعضاء الجسم ويؤدي في الاخير إلى الوفاة .()
وعلى الرغم من أن مرض كوفيد 19 لا يتسبب إلا باعتلال طفيف لدى معظم الناس فانه قد يتسبب بمرض وخيم لدى الأخرين. و يؤدي المرض في حالات نادرة إلى الوفاة. ويبدو أن المسنين و الأشخاص المصابين بحالات طبية موجودة مسبقا (مثل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب وداء السكري ) أكثر تأثرا بهذا المرض. فقد جاء في احصائية صادرة عن منظمة الصحة العالمية أن 80 بالمئة من المصابين بفيروس كورونا يتعافون دون حاجة إلى علاج خاص. وتشتد حدة المرض لدى شخص واحد تقريبا من كل 6 أشخاص يصابون بعدوى كوفيد 19 حيث يعانون من صعوبة التنفس.و تزداد احتمالات اصابة المسنين والأشخاص المصابين بمشكلات طبية أساسية مثل ارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب أو داء السكري. و تفيد الاحصائيات أن نحو 2 بالمئة من الأشخاص قد ماتوا بعد اصابتهم بهذا الفيروس().
بتاريخ 12/05/2021 تجاوز عدد الموتى من الكوفيد 19 الـ3 مليون, قد يعتبر البعض تلك الأرقام غير مخيفة مقارنة بأرقام أمراض أخرى كالسّرطان الذي قتل في سنة واحدة (2020) 10 ملايين شخص إلّا أنّ الخطورة قد تتّضح من ناحية سرعة إنتشار المرض, فبينما وصلت الإصابات بالكوفيد 19 في ماي 2021 الى 156 مليون شخص أصاب مرض السّرطان 19 مليون شخص في سنة 2020. 156 مليون إصابة بالرّغم من كلّ التّضحيات التي قامت بها البشريّة بل و بالرّغم من تخلّيها عن أثمن ما لديها أي جانب كبير من الحرّيّات الفرديّة.
يبقى أنّه هنالك وجه تشابه بين المرضين على إختلافهما الكبير وهو تباين الخطورة من مريض إلى آخر حتّى و إن كانت الأسباب مختلفة. فإن كانت خطورة السرطان على الحياة تختلف بنوع السّرطان و إنتشاره فإنّ خطورة الكوفيد 19 على الحياة مرتبطة أكثر بالشّخص المصاب إن كان مسنّا أو يشكوا أمراضا مزمنة.
فهذه الورقة البحثية تتناول هذه الفئة الاخيرة فئة المسنين و الأشخاص المصابين بحالات طبية موجودة مسبقا (مثل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب وداء السكري ) فهم الأكثر تأثرا بهذا المرض و الأكثر تعرضا لامكانية حدوث التهاب رئوي مما يؤدي إلى قصور في وظائف أعضاء الجسم ويؤدي في الاخير إلى الوفاة.()
فهل عند اصابة هذه الفئة بفيروس كوفيد 19 تندرج أحكام تصرفاتها ضمن احكام تصرفات المريض مرض الموت؟
للإجابة عن هذا السؤال يتعين علينا أولا أن نحدد مفهوم المريض مرض الموت و شروطه الواردة في المدونتين الفقهية الاسلامية و القانونية التونسية.
المرض في اللغة هو أصل صحيح من (الميم والراء والضاد) يدل على ما يخرج به الانسان عن حدّ الصحة في أي شيء كان. فهو مرادف للعلّة()و السقم فهو نقيض الصحة.() أما لفظ الموت في اللغة فهو أصل صحيح يدلّ على ذهاب القوة من الشيء. وهو خلاف الحياة.() ويطلق أيضا في كلام العرب على السكون يقال ماتت الريح أي سكنت. وسمي الموت نوما لأنه يزول معه العقل و الحركة تمثيلا وتشبيها لا تحقيقا… والموت يقع على أنواع بحسب أنواع الحياة، فمنها ما هو بإزاء القوة النامية الموجودة في الحيوان والنبات، ومنها زوال القوة الحسيّة، ومنها زوال القوة العاقلة…وقد يستعار الموت للأحوال الشاقة، كالفقر والذل والسؤال و الهرم والمعصية.()
إذن من خلال ما تقدم يمكن أن نعرف مرض الموت لغة بكونه السقم الذي يذهب و يزيل القوة من الإنسان. فكيف عرّف فقهاء الإسلام مرض الموت؟
إن المتأمل في المدونة الفقهية الاسلامية يلاحظ استعمال الفقهاء لمصطلح المرض المخوف للدلالة على معنى مرض الموت، فقد عرّفو هذا النوع من المرض بكونه:” المرض الذي يستعدّ الانسان بسببه لما بعد الموت، و سمي المخوف لأنّه يخاف فيه الموت، حتى و إن لم يحصل به الموت غالبا، فالمدار على كثرة الموت من ذلك المرض بحيث يكون الموت منه شهيرا لا يتعجب منه”.() إن المتأمل في تعريف الفقهاء لمرض الموت يلاحظ أن المناط في اعتبار المرض مرض موت من عدمه هو الحالة النفسية للمريض ، بمعنى هل أنه في وضعية نفسية يائسة من بقاءه على قيد الحياة. فتكون تصرفاته تحت تأثير الخشية و الخوف من سرعة رحيله إلى الآخرة. وفي السياق ذاته حادت مجلة الأحكام العدلية عن لب الفقه الإسلامي لأسباب يطول شرحها و عرّفت هذا النوع من المرض بكونه “المرض الذي يعجز المريض فيه عن رؤية مصالحه الخارجة عن داره إن كان من الذكور ويعجز عن رؤية المصالح الداخلة في داره إن كان من الإناث. والذي يكون فيه خوف الموت في الأكثر و يموت على ذلك الحال قبل مرور سنة سواء كان ملازما للفراش أو لم يكن وإذا امتد مرضه وكان دائما على حال واحدة ومضى عليه سنة يكون في حكم الصحيح وتكون تصرفاته كتصرفات الصحيح ما لم يشتد مرضه وتتغير حاله أما إذا اشتد مرضه وتغيرت حاله وتوفي قبل مضي سنة فيعد مرضه اعتبارا من وقت التغيير إلى الوفاة مرض الموت.”()
من خلال هذا التعريف نستخلص ثلاثة شروط للمرض لتتحقق فيه صفة مرض الموت:
الشرط الأول: أن يعجز المريض عن رؤية مصالحه الخارجة عن داره إن كان من الذكور كعجز المعلّم عن الذهاب للمدرسة للتدريس وعجز صاحب الحانوت عن الذهاب إلى حانوته للبيع والشراء ويعجز عن رؤية المصالح الداخلة في داره إن كان من الإناث كطبخ الطعام وغسل الثياب. فإذا قدر على رؤية مصالحه فلا يعد ذلك مرضا و رؤية مصالحه ليست مجرد التنقل و المكوث بمكان العمل ولكن الكفاح العادي و المعتاد و بنفس الوتيرة على لقمة العيش. وهذا في حقيقة الأمر ليس بشرط فقهي و هو مجافي للمنطق الفقهي .
الشرط الثاني: أن يكون ذلك الشخص في حال يكون فيه خوف الموت في الأكثر. لذلك ألحق الفقهاء بالمريض مرض الموت وضعيات أخرى مماثلة مثل: (الشخص الذي يصير إخراجه لساحة الإعدام لإجراء القصاص، الشخص الذي يبقى على خشبة من السفينة بعد غرقها، الشخص الذي يفترسه السبع ويكون في فم السبع…). ()
الشرط الثالث: أن يثبت هذا المرض وحال العجز فيه و أن يتوفى قبل مرور سنة.() إلاّ أن هذا الشرط قد وجهت له أسهم النقد من لدن مجمع الفقهاء لكونه ليس بشرطا فقهيا و لا منطقيا إذ ليس هناك موجب من اشتراط عدم مضي سنة باعتبار أن هناك أمراض يمتد زمنها ويطول كالسلّ والسرطان والشلل والجذام والبرص ونحو ذلك من الأمراض التي يطول أمدها().
أمّا شرط تشدّد المرض لإعادة إحتساب السّنة فهو يفقد الشرطين الأول والثالث من مضمونهما إذ أنّ الامراض المخيفة بطبعها تشتد دائما عادة. فمعظم أنواع السرطان على سبيل المثال تدخل قطعا في خانة مرض الموت وهي عادة ما تشتد من حين لآخر.
و على اية حال فلا مجال لاعتبار ان ما ورد بالفصل 1595 ممثلا لري السائد بالفقه الإسلامي اذ ان الخوف من الموت و التحاقها بالمرض هما الدليلين الوحيدين لمرض الموت فان لم يكن المرض معروفا يقع اللجوء الى ادلة موضوعية و علمية أخرى.
فهل يكون الشخص في مرض الموت مهما يطول أمد المرض؟
المعنى المقصود في مرض الموت لدى الفقهاء أن يكون الشخص في حال يغلب فيها الهلاك ويتوقعه، وتكون تصرفاته لخوف الموت المرتقب المرصود، فالمناط هو خوف المريضِ الهلاكَ. وعليه يتعيّن على القاضي الذي سيفصل في النزاع البحث عن الأمارات والشواهد التي تدل على حال المريض النفسية، ليعلم أهي حال يأس من الحياة صدر تصرف المريض مرض الموت تحت تأثيرها أم هي حال اطمئنان واستقرار نفسي وأمل في الحياة استغرق في النفس واستولى عليها؟
فالمناط في تقييد تصرفات المريض مرض الموت هو الخشية من أن يكون تصرف المريض تحت تأثير وضعيته النفسية اليائسة من الحياة، لذلك ألحق الفقهاء القدماء كل الأصّحاء الاقوياء الذين يكونون في أحوال يغلب عليهم فيها اليأس على الرجاء و الموت على الحياة والهلاك على النجاة، تجعلهم يترقبون الموت في كل لحظة ومن هؤلاء: ( المقاتل في ساحة الحرب، المحكوم عليه بالإعدام…)().
يرجع تحديد صفة الموت في المرض لدى الفقهاء إلى أهل العلم والمعرفة من الأطباء لأنهم من أهل الخبرة والتجربة والمعرفة. واشترطوا لقبول قول الطبيب أن يكون مسلما، بالغا، ثقة، عدلا، حرا، وذلك لأهمية الآثار المتعلقة برأيه على حقوق الورثة والدائنين.()
إذن من خلال ما تقدم يكون مرض الموت عند الفقهاء هو المرض الذي يغلب بسببه الهلاك أو يحدث منه ليسبب الخوف في نفس المريض بحسب رأي الأطباء.
فكيف عرّف القانون التونسي هذا المصطلح؟
مرض الموت في القانون التونسي هو مؤسسة خاصة أورد المشرّع أحكامها بالفصول 354 و355 و565 و1481 من مجلة الالتزامات والعقود والفصل 206 من مجلة الأحوال الشخصية في إطار الإسقاط والبيع والكفالة والهبة. إلاّ أنه لم يقدم تعريفا لها وهو ما فتح المجال أمام فقه القضاء() وفقهاء القانون لوضع تعريفات لها. إلاّ أن المتأمل في بعض قرارات محكمة التعقيب يرى خلطا بين مضمون الفقه الإسلامي من ناحية و المجلة العدليّة من ناحية أخرى. و تبقي شروط المجلة العدلية في خصوص مرض الموت مجرّد أمارات يقع اللّجوء إليها عندما يكون أمر المرض مجهول من لدن العامّة و حتّى الخاصّة.
إن المتتبع للتعريفات السابقة يلاحظ اختلافا في عباراتها وتضاربا في ظواهرها، إلاّ أنها تشترك في معنى أساسي وهو أن مرض الموت يجب أن يتحقق فيه ثلاثة أمور: أولا:أن يكون مرضا يحدث منه الموت غالبا، وثانيا: أن يموت الشخص بالفعل موتا متصلا به. وثالثا: أن يكون الشخص في حال يغلب فيها الهلاك ويتوقعه، وتكون تصرفاته لخوف الموت المرتقب ، فالمناط هو حال المريض النفسية أهي حال يأس من الحياة صدر تصرف المريض مرض الموت تحت تأثيرها أم هي حال اطمئنان واستقرار نفسي وأمل في الحياة استغرق في النفس واستولى عليها.
وعليه فليس كل مصاب بفيروس كورونا تنسحب عليه أحكام المريض مرض الموت، إذ يتعين على القاضي الذي سيفصل في النزاع البحث عن الأمارات والشواهد التي تدل على حال المريض النفسية، ليعلم أهي حال يأس من الحياة صدر تصرف المريض مرض الموت تحت تأثيرها أم هي حال اطمئنان واستقرار نفسي وأمل في الحياة . فالمناط في تقييد تصرفات المريض مرض الموت هو الخشية من أن يكون تصرف المريض تحت تأثير وضعيته النفسية اليائسة من الحياة.
ففيم تتمثل أحكام تصرفات المريض مرض الموت بين الفقه الاسلامي و القانون التونسي؟
سبق وأن بيّنا أن لا خلاف بين الفقه الاسلامي والقانون التونسي في اعتبار أن مرض الموت هو إنذار بحادثة الموت التي تنتهي بها الشخصية والأهلية، ويرتب الشرع عليها أحكاما جديدة: منها الإرث، وحلول الدين. إذ ينتقل تعلقها من ذمة المدين إلى أمواله لخراب ذمته بالموت، فتصبح تركته كالمرهونة شرعا بالديون. فينشأ عن ذلك أن الديون تصبح متعلقة بمال المريض وذمته جميعا، بعد أن كانت متعلقة قبل المرض بذمته فقط، وذلك لعجزه عن السعي والاكتساب فتضعف ذمته فيضم إليها ماله توثيقا. فحماية لحقوق الورثة والدائنين أطلق الشرع الإسلامي للإنسان أن يتصرف بثلث ما سيتركه من مال تصرفا مضافا إلى ما بعد موته بالوصية ونحوها فيما يشاء من وجوه الخير التي يبتغي بها ثواب الآخرة.
و على هذا الأساس قرّر الفقهاء أن حق الغرماء في استيفاء ديونهم، وحق الورثة في خلافة المريض فيما يملك يتعلقان بأمواله من وقت مرضه فيكون حينئذ قد تعلّق بمال المريض مرض الموت حق الدائنين وحق الورثة()، وعليه يُعتبر المريض بمرض الموت محجورا بالنسبة إلى الدائنين حجرا عاما مطلقا غير مقيد بحد محدود من ماله، ومحجورا بالنسبة إلى الورثة حجرا محدودا بثلثي ماله. وعلى هذا فالمريض بمرض الموت إما أن يكون مدينا أو غير مدين:
فإذا كان المريض مدينا بدَين مستغرق (أي محيط بكل ماله) فإنه يكون محجورا عن كل تبرع أو وقف باتفاق الفقهاء، فإذا تبرع بأي صورة كانت ولو بطريق البيع بثمن بخس (أي بمحاباة في الثمن)، أو وقف شيئا من أمواله كان تصرفه غير نافذ، بل يتوقف على إجازة الغرماء الدائنين: فإن رفضوه بطل وإن أجازوه نفذ. وإن كان دين المريض غير مستغرق فإن للورثة وللوصية عندئذ ما يزيد عن وفاء الدين. فينفذ تبرع المريض كما تنفذ وصيته في ثلث الباقي بعد وفاء الدين. فإن زاد تبرعه على ثلث الباقي توقف الزائد على اجازة الورثة. وإذا كان المريض غير مدين فإن تبرعاته جميعا من هبة أو وقف أو وصية أو غير ذلك بأي أسلوب كان تُراعى فيها قاعدتان يجب تطبيقهما معا: الأولى: أن تبرع المريض بمرض الموت مقيد نفاذه بثلث ماله. ففيما يزيد عن الثلث يتوقف على إجازة الورثة. ثانيا: إن تبرع المريض لأحد ورثته لا ينفذ، بل هو موقوف على إجازة باقي الورثة مهما قل مبلغه، سواء أكان يخرج من ثلث التركة أم لا. قال النبي صلى الله عليه وسلم :” ألا إن الله قد فرض لكل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث” وهذا الحكم من قبيل سد الذرائع كي لا يتخذ من طريق الوصية لأحد الورثة سبيل لتفضيله على غيره في الحصة الإرثية ، فتزرع بذلك أحقاد دائمة بين أفراد الأسرة.()
وكذلك الشأن في القانون التونسي فتصرفات المريض مرض الموت تُعنى بالمحافظة على حقوق الورثة وليس لها علاقة بمعنى الرضا. وهذا مخالف لعدة اتجاهات قضائية التي حاولت الربط بين الرضاء ومؤسسة مرض الموت، فليس الهدف من الأحكام المتعلقة بتصرفات المريض مرض الموت حماية إرادة المريض، بل حماية حقوق الورثة والدائنين. لهذا الغرض فإن العمليات التي تقع خلال مرض الموت تأخذ نظام الوصية على معنى الفصل 179 الذي ينص على أنه: ” لا وصية لوارث ولا فيما زاد على الثلث إلاّ بإجازة الورثة بعد وفاة الموصي”() والفصل 187 الذي ينص :” الوصية لغير الوارث تمضي في الثلث من التركة بدون توقف على إجازة الورثة”.() بمعنى أن الإحالة إذا كانت للوارث لا تمضي إلاّ بعد مصادقة الورثة فإذا كانت لغير وارث مضت في الثلث بدون مصادقة والمصادقة فيما زاد على ذلك. وذلك ما يبرز أن أحكام مرض الموت وضعت بهدف حماية حقوق الورثة وليس حماية لإرادة المريض ().
في ملاحظاته الإفتتاحيّة بشأن كوفيد 19 بتاريخ 2020.2.28 ذكر المدير العام لصّحّة العالميّة ما يلي :” قررنا الآن رفع مستوى تقييمنا لمخاطر انتشار مرض كوفيد-19 ومخاطر تأثيره إلى مستوى “مرتفع جداً” على الصعيد العالمي” و أضاف أنّ :” مستوى المخاطر التي يواجهها كل شخص منكم تعتمد على مكان إقامته وعمره وحالته الصحية العامة” كما ورد في ملاحظاته الإفتتاحيّة بشأن كوفيد 19 بتاريخ 2021.3.22 ما يلي :” ما دام الفيروس يستمر في الانتشار في أي مكان من العالم، سيظل الناس يموتون، وسيتواصل تعطّل التجارة والسفر، وسيتزايد تأخير الانتعاش الاقتصادي”.
المدير العام لمنظّمة الصّحّة العالميّة هو أيضا طبيب, و هو أكّد في أكثر من مناسبة على أنّ خطورة المرض على الحياة تختلف بحسب معطيات عديدة يقع إكتشافها تدريجيّا كما أكّد رئيس الحكومة التّونسيّة على خطورة المرض و العدد الكبير للموتى و أكّدت النّاطقة الرّسميّة بإسم اللّجنة العلميّة لمكافحة فيروس كورونا على تلك الخطورة . فهل أنّ كوفيد 19 مرض موت ؟
بالرجوع إلى الفقه القانوني الإسلامي فإن العديد من الحالات الغير مرضية مثل حالة المحكوم بالإعدام أو راكب السفينة أثناء العاصفة او أسير الحرب الخائفين من الموت تأخذ حكم مرض الموت و ذلك برهان على أنه مرض الخوف, فلا يجوز الحكم به على أساس إسم مرض أو مدّته أو أماراته و لكن على أساس إحساس المصاب بالخوف. فهل يثير كوفيد 19 الخوف من الموت لدى المصابين به ؟
يمكن لنفس الداء أن يكون مرض موت لشخص ما و غير مرض موت لشخص آخر, فالمريض بسرطان منتقل مصاب بمرض موت إذ أن خوفه من الوفاة لا جدل فيه أما المصاب بسرطان في أوائله و بعضو غير حيوي و بنوعية أصبحت تعالج زمن مرضه فإنه يجب الرجوع إلى مدى ثبوت خوف المريض و حالته النفسية إلى يوم وفاته و نفس الشيء بالنسبة لكوفيد 19 فإن كان المصاب شخص له أمراض مزمنة و في سن متقدم أو أن الفيروس شرع في إتلاف الأعضاء الحيوية فإن ذلك مرض موت إن إتصلت به الوفاة عاجلا أم آجلا أما المصاب الشاب النقي من الأمراض الجانبية فإنه و إن توفي لا بد من التثبت من حالته النفسية زمن المرض أهو كان في حالة يأس و خوف من الموت أو إنه كان مقتنعا بأنه سيشفى حتى وافته المنية.
فهل أنّ الأمارات التي ذكرها الفصل 1595 من المجلّة العدليّة مجدية في القرن الواحد و العشرين لتحديد ما إذا كان شخص صغير السن و نقي الأمراض الجانبية مريض مرض الموت أي مرض الخوف ؟ حتما لا إذ أن أمارة عدم الخروج من البيت للقيام بالأعمال الإعتيادية لا تدل على شيء بما أن جميع المرضى مجبرين على الحجر الصحي. و هل أن الحكم بأن العيش بالمرض لأكثر من سنة يجعل المريض من الأصحاء مجد لمعرفة حالته النفسية ؟ حتما لا فإنه و إلى يومنا لم نسمع بشخص مرض بكوفيد 19 لأكثر من عام, فإن حصل ذلك لكان الأمر خطيرا و داعيا للخوف على الحياة, فكل ما طال المرض كلما زاد الخوف وأصبح مرض موت.
الأمارات قد تكون تدوينات المريض على وسائل التواصل الإجتماعي أو مراسلاته أو تسجيلاته أو رأي الطاقم الطبي الذي كان يعالجه أو صور أشعة لدماغه و تبقى قرينة الخوف مرتبطة أيضا بعلم المريض بتدهور صحته من عدمه.
هل أن شفاء المريض من كوفيد 19 ثم وفاته من جراء عواقبه كتلف أعضائه يعني أنه توفي من مرض الموت ؟ للإجابة على ذلك يجب الرجوع إلى القاعدة القائلة بأن مرض الموت ليس مرتبط بإسم المرض أو جنسه و لكن بخطورته على الحياة بحسب رأي الأطباء و حسب رأي الوعي الجماعي في خصوص المرض و من ذلك مدى خوف المريض من مرضه قبل إتصال الموت.
يجرنا ما سبق ذكره للقول بان كوفيد 19 هو مرض موت في الحالات الضئيلة التي يكون الخوف من الموت فيها جليا أي عندما تجمع الدلائل الطبية و الاثباتات النفسية للمريض على ذلك اما في معظم الإصابات بكورونا الى يومنا أي ما لم يتحور الفيروس الى جديد اكثر فتكا بالارواح فهو ليس بمرض موت لكونه و باجماع العلماء ليس بمخيف على حياة المرضى الغير المسنين و غير المصابين بامراض عرضية ولا توحي باتصال الموت.

 

 

بقلم الدكتور محمد الطاهر ماجول
-وحدة بحث المالية و الاقتصاد الاسلامي-
-المعهد العالي لأصول الدين جامعة الزيتونة-

شارك المقالة عبر:

اترك تعليقا: